أزمة البنوك الليبية

تاريخ الإضافة الأربعاء 11 مارس 2020 - 3:50 م    عدد الزيارات 321    التعليقات 0

        


هذا البحث مخصص للكلام عن أزمة البنوك الليبية بعد سنواتٍ من الحرب التي ضربت ليبيا عقب حراك فبراير 2011، وما أفرزته تلك الحرب من أزمات على مختلفى الصُعد، الاجتماعية، والأمنية، والسياسية، والاقتصادية، وغيرها، مما سيكون له تبعاته على الأجيال الليبية اللاحقة، في حال بقاء الجغرافيا الليبية على ما هي عليه الآن، وفي حال ذهاب الأمور فيها نحو الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما ليس باديا حتى يوم كتابة هذا البحث.

وحتى نستطيع أن نلمّ بموضوعنا قيد البحث، لا بدّ من تصوّر طريقة عمل البنوك حتى نستطيع أن نفهم تأثير العوامل المختلفة على سير عملياتها بشكلٍ منتظم، فلذلك نقدّم لبحثنا بفقرة عن آلية عمل البنوك في حالتها الطبيعية والمُنتجة.

       نبذة تاريخية عن نشأة البنوك وآلية عملها:

حتى نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر كانت معاملات الناس الاقتصادية التبادلية تتم بالذهب والفضة، ولم تكن العملات الورقية موجودة، ولكن بسبب صعوبة نقل كميات الذهب والفضة، والخوف عليها من السرقة، ابتكر بعض الناس طريقة تجنّبهم هذه الصعوبات، عبر وضع أموالهم من الذهب والفضة عند “الصاغة” مقابل إعطاء هؤلاء إيصالات ورقية لأصحاب الذهب والفضة، وهذه الإيصالات عبارة عن إخبارٍ بقيمة معيّنة من الذهب والفضة موجودة عند الصائغ، ويستطيع مالك هذا الإيصال أن يسحب الكميات الموازية للإيصال الذي معه من الذهب والفضة وقتما يشاء، وهذا الأمر سهّل حفظ النقود والعمليات التبادلية الاقتصادية.

فحتى هذه المرحلة كان دور الصائغ يقتصر على حماية الذهب والفضة فقط، مقابل أجرٍ يحصل عليه لقاء خدمته هذه، وكان يشترط أن تكون نسبة التغطية وقتها 100 %، أي أن الصائغ يحتفظ بكمية من الذهب والفضة كأمانات توازي قيمة ما أعطاه من إيصالات.

إلا أنه مع مرور الوقت، لاحظ الصاغة أن الناس لم يعودوا، بناءً على ثقتهم بهم، يسحبون أموالهم من الذهب والفضة، واقتصرت تعاملاتهم على الإيصالات التي أخذوها مقابل أموالهم، فبرزت فكرة عند الصاغة تقضي بتسليف جزءٍ مما عندهم من الذهب والفضة للناس بمقابل ربا على تلك الأموال التي استلفوها، مما يزيد من أرباح تلك البنوك، فنشأ ما يُعرف بالتغطية الجزئية عند الصاغة، أي أن الصاغة، وبعد أن كانوا يحتفظون بقيمة من الذهب توازي ما أعطوه من إيصالات (تغطية 100%)، باتوا يحتفظون بقيمة تسهّل السحب اليومي (نسبة مئوية معينة)، معتمدين في ذلك على ثقة الناس بهم، مما لن يدفعهم إلى سحب أموالهم بطريقة مباغتة وفي نفس الوقت.

هذه بالظبط قصة نشأة الأموال الورقية، وتعاملات البنوك، وهي ذاتها آليات عمل هذه المصارف في يومنا هذا، وفي حال وجود أي حدث أمني أو سياسي يدفع المودعين إلى الخوف وإلى سحب أموالهم بغتة، فهذا سيؤدي إلى أن الأموال الموجودة عند البنوك ستكون أقل من قيمة المُودعات فيها، وهو ما سيؤدي إلى إعلان هذه البنوك لإفلاسها وانتهائها.

فإذا، عمل البنوك يقوم على تعامل وهمي بقيمة غير موجودة من النقود، معتمدين في ذلك على ثقة الناس واستقرار أحوالهم، وأي خللٍ في هذا سيؤدي إلى وقوع هذه البنوك في أزمة قد تؤدي إلى انتهائها بالكلية.

هذه نبذةٌ مختصرةٌ جدا توضح طريقة عمل البنوك، ولنعد الآن للكلام عن البنوك الليبية، وعن أسباب الأزمة التي طالتها في ظل الأحداث الداخلية التي تعصف بليبيا.

       أزمة البنوك الليبية:

بالعودة إلى البنوك الليبية، والأزمة التي تعيشها، لا بدّ من القول إن الأزمات في هذه المصارف ليست حزمة واحدة، وأسبابها متعددة، والموضوعية تقتضي تقسيم الفترات التي تواجه فيها هذه المصارف أزمات مختلفة، لأن كل فترة تميّزت بأسباب بارزة أكثر من غيرها وأثرت على عمل البنوك الليبية، وإن كانت كل الأسباب تعود إلى كلّيات واحدة تجمعها.

ويمكن تقسيم الفترات التي شهدت فيها البنوك الليبية أزمات حقيقية إلى فترتين رئيسيتين: الأولى منذ أحداث عام 2014، وما شهدته ليبيا وقتها من انقسام داخلي حاد، والثانية منذ بدأ عملية اللواء المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة الليبية طرابلس.

فمنذ عام 2014، شهدت ليبيا انقساما داخليا حادا، وشهدت البلاد تشكيل حكومتين، واحدة في العاصمة الليبية طرابلس، والثانية في الشرق الليبي، في منطقة طبرق، وسادت حالة من الاضطرابات الداخلية، ترافقت مع انتشار القتل والسرقة والجريمة المنظمة، ناهيك عن تعطّل بعض آبار النفط في البلاد نتيجة الدمار، أو سيطرة الميليشيات المسلحة على بعضٍ آخر، كلّ هذه العوامل أدت إلى خوف أصحاب الأموال والمدّخرات على أموالهم، مما دفعهم إلى سحب هذه الأموال من البنوك.

إضافة إلى ذلك، فقد استشرى الفساد ضمن موظفي البنوك، وراح بعضهم، بالاتفاق مع حيتان الصرافة في ليبيا، بتلزيم مشاريع لهؤلاء، مقابل اقتسام الأرباح معهم. أيضا فإن هؤلاء الحيتان شكلوا سوقا مالية سوداء في البلاد، راحت تتحكم في سعر صرف الدينار، وقامت بسحب كمية كبيرة من العملات الصعبة من البنوك الليبية، وهو ما أدى إلى تفاقم المشكلة بشكل أكبر.

كلّ هذه العوامل، أدت إلى اختلال كمية المُودعات في البنوك الليبية، وكما أسلفنا في بيان آلية عمل البنوك، أن هذا الأمر يهدد البنوك ووجودها، وينذر بإفلاسها، ولذلك فقد شهدنا في العام 2016 تحديد البنوك لكمية السحب اليومي بـ 200 دينار ليبي (ما يعادل وقتها حوالي 145 دولارا أمريكيا) خوفا من تفريغ المصارف من كل الإيداعات التي عندها.

أما بعد بدأ العملية العسكرية التي يشنّها اللواء المتقاعد خليفة حفتر على طرابلس، فقد دخلت عوامل أخرى على خط الأزمة المصرفية الليبية، فقد قام البنك الليبي المركزي في طرابلس من الحدّ من نشاطات البنوك في الشرق مما جعل هذه الأخيرة تواجه صعوبة في الإيفاء بالحدّ الأدنى من متطلبات الإيداع، مما سيعطي البنك الليبي المركزي حجة كبرى لعدم إمداد تلك البنوك بالعملة الصعبة، وهو ما سيدخلها في نفق مظلم لا تُدرى نهاياته، وستقع سلطات شرق ليبيا في مشكلة تتمثل في عدم قدرتها على تمويل احتياجاتها في المدى القريب.

وكذلك، فإن الدول التي تدعم حفتر في عمليته ضد طرابلس، مثل مصر والإمارات، إنما تدعمه بالتجهيزات والمعدّات دون الأموال، لخشيتها من استخدام الأموال في أشياء لا تتناسب مع توجهاتهم، فوجد حفتر نفسه مضطرا لدفع رواتب مقاتليه، ومصاريف الأمور اللوجستية لجيشه، مثل وقود الآليات والطائرات وغيرها، من العملة الصعبة التي تمثل خزين ليبيا، وهو ما يؤشر بضمور تلك الأموال ونقصانها في المصارف الليبية.

إضافة لذلك فإن حركة النزوح التي شهدتها ليبيا نتيجة الأعمال العسكرية أدت إلى حركة سحب للأموال بشكلٍ كبير، وهو ما فاقم من المشاكل التي تواجهها البنوك الليبية أصلا جراء نقص الإيداعات.

بعد كلّ ما سبق، يمكن حصر الأسباب التي تؤزم وضع البنوك الليبية في مجموعتين، مجموعة غير مباشرة متمثلة في الاضطرابات الأمنية، وانتشار السرقات والجريمة المنظمة، واستشراء الفساد بين الموظفين الكبار في القطاع المصرفي، فكلّها أسبابٌ تضرب ثقة المودعين في المصارف وتدفعهم إلى سحب أموالهم منها. ومجموعة مباشرة متمثلة بسبب واحد، وهو زيادة سحب الأموال المودعة من المصارف الليبية، وهو ما يُهدّد بإفلاس هذه المصارف وزيادة مشاكلها.

أما عن سبل حلّ هذه الأزمة، فيمكن القول إن الخطوة الأساسية نحو الحلّ تتمثل في استقلالية المصرف الليبي المركزي من كل التجاذبات السياسية، ومنع كافة الأطراف المتصارعة في ليبيا من التدخّل في عمل المصارف، كما لا بدّ من الاستفادة من كل الطاقات الليبية وخبراء الاقتصاد الليبيين، من داخل ليبيا ومن خارجها، لإيجاد حلول تعيد النهوض بالقطاع المصرفي الليبي، أما في حال التغاضي عن هذه المشاكل فإن القطاع المصرفي الليبي مقبلٌ على انهيار قد يدخل ليبيا في نفقٍ اقتصادي لا تُحمد نتائجه.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.