داعش في لبنان: آخر الدواء الإيراني، والسيناريو الأخطر

تاريخ الإضافة السبت 23 مايو 2020 - 7:35 م    عدد الزيارات 215    التعليقات 0     القسم سياسي

        


يشهد لبنان حراكًا، انطلق في السابع عشر من تشرين الأول الماضي، ضد الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، والتي أوصلت البلد إلى حافة انهيار تهدّد كيانيته ووجوده، وهو، وإن كان حراكًا مطلبيًا بامتياز ضد طبقة حكمت الناس بحديد ونار الطائفية والمحاصصة، إلا أننا لا يمكن أن نعزل ما يشهده لبنان اليوم، من انهيارات عدة، وعلى كافة المستويات أهمها الاقتصادية، عن ما يجري في المنطقة من صراعات.

يشهد الشرق الأوسط صراعاتٍ عدّةٍ، أبرزها في سوريا والعراق واليمن، وهي صراعات مرتبطة بالمشاريع الإقليمية للدول الفاعلة في المنطقة، إلا أن الصراع الأبرز هو القائم بين أمريكا وإيران، ففي حين تسعى الأخيرة إلى التمدّد في دول المنطقة، وامتلاك أدوات تأثير فيها، مما يمكنها من لعب دورٍ إقليمي وازن، تسعى أمريكا إلى الحدّ من هذا النفوذ، وإفقاد إيران أي مخلبٍ خارجي يمكنها من امتلاك تأثيرٍ في ملفاتٍ ضاغطةٍ على الغرب ومصالحه في منطقة الشرق الأوسط.

ومع مجيء ترامب إلى البيت الأبيض شهدنا تصعيدًا أمريكيا ضد إيران وصل إلى حدّ تعليق العمل بالاتفاق النووي معها، وفرض عقوبات اقتصادية عليها، وبلغ التصعيد أوجه مع قيام القوات الأمريكية باغتيال قائد فيلق القدس، الجناح الخارجي للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وهي عملية أشّرت إلى التوجه الأمريكي الجديد لمواجهة المشروع الخارجي الإيراني، فسليماني كان رمزا لهذا المشروع، وبمقتله دخل الصراع الأمريكي-الإيراني مرحلةً جديدة.

إن مواجهة أمريكا للمشروع الإيراني الخارجي لا يمكن أن تستثني الذراع الإيرانية الأقوى في المنطقة، حزب الله اللبناني، فهو "درّة تاج المشروع الإيراني الخارجي"، وقد وضع إيران بقوة على خارطة الصراع المباشر مع إسرائيل، مما جعل من إيران دولة حاضرة على طاولة المفاوضات المتعلّقة بالصراع العربي-الإسرائيلي، وبالتالي أمّن لها مكاسب سياسية إقليمية ودولية، كما استخدمته إيران في كلّ الدول التي تمدّدت إليها، فهو شارك في سوريا والعراق واليمن في المعارك الدائرة فيها لصالح المشروع الإيراني، وقام بتنظيم وتدريب الكثير من الجماعات الموالية لإيران في تلك الدول، والتي استطاعت إيران من خلالها أن تؤثر بشكلٍ مباشر على سياساتها، وبالتالي فإن مواجهة إيران في المنطقة لا بدّ أن تسعى إلى تحجيم الحزب وتقليم أظافره، وهذا ما يُفسّر جزءً كبيرًا مما يجري على الساحة اللبنانية.

فلبنان، بعد التسوية الرئاسية التي حصلت في لبنان عام 2016، والتي وصل بموجبها ميشال عون إلى قصر الرئاسة اللبنانية، وسعد الحريري إلى رئاسة الحكومة، هذه التسوية قذفت بلبنان بالكامل إلى قلب المشروع الإيراني، وصار لبنان، ولأول مرة في تاريخه، مرهونا بشكل كامل لصالح مشروعٍ معيّن يملك فيه السلطة المطلقة، ودخل لبنان تحت سيطرة حزب الله الذي كان يغطي كل فساد الطبقة السياسية في لبنان منذ الـ2005 (عقب خروج المحتل السوري)، في مقابل أن تغطي هذه الطبقة تحركات الحزب الإقليمية خدمةً لمشروع إيران في المنطقة.

إن امتناع الدول التي ساهمت تاريخيا في دعم الاقتصاد اللبناني، وعلى رأسها دول الخليج العربي، عن تقديم المساعدات للبنان، إنما يصب في خانة هذا الصراع، وهو ما أفصحت عنه الإدارة الأمريكية مراتٍ عدة بالقول إن لبنان لن يحصل على أي مساعداتٍ طالما أن حزب الله يسيطر على مفاصل الدولة اللبنانية، وطالما أن لبنان تحت هيمنته، ومن الطبيعي أن الموقف الأمريكي هذا سينعكس على أي مساعدة دولية للبنان، وطالما أن الاقتصاد اللبناني مرهون بالمساعدات الدولية الخارجية، فمن البدهي القول إن هذا الاقتصاد في طريقه إلى الانهيار بفعل الموقف السياسي الأمريكي من لبنان، والمُندرج ضمن الصراع الدائر في المنطقة، وهو موقف سيؤدي إلى رضوخ حزب الله لأن انهيار لبنان على الجميع سيصيب حزب الله في مقتلٍ لا محالة.

فهل تتخلى إيران عن درة تاجها في المنطقة بهذه السهولة؟

سأعود بالقارئ الكريم إلى العام 2014، حيث شهد العراق احتجاجاتٍ حاشدةٍ ضد تهميش السنة في العراق، وضد النفوذ الإيراني المتنامي فيه، وقد عُرفت هذه الاحتجاجات بـ"الانتفاضة السنية"، وقد أحرجت هذه التحرّكات السلطة العراقية وقتها، وأوشكت أن تؤثر بشكلٍ جذري على السياسة العراقية، فما الذي حصل وقتها؟

في أحد أيام هذه الانتفاضة، ودون سابق إنذار، أُصدرت أوامر إلى القوات العراقية في الموصل بالانسحاب منها، فقامت هذه القوات التي يبلغ عديدها عشرات الآلاف، والمُدجّجة بأحدث الأسلحة الأمريكية، قامت بالانسحاب من الموصل أمام العشرات من مقاتلي داعش، وتركوا أسلحتهم للتنظيم، مع وديعة مالية كبيرة في المصرف المركزي هناك، لتصبح كلّها غنيمة سهلة في يد التنظيم، وليستعين بها على التمدّد في المنطقة.

بعد أن تمدّد التنظيم على جغرافيا واسعة من الأراضي العراقية، وخاصة المناطق السنية، أُطلقت حملة كبيرة لمحاربة التنظيم في العراق، وتم القضاء على مناطق سيطرته، وكان من نتائج هذه الأحداث ما يلي:

أولا، أثبتت التحقيقات أن نوري المالكي، رئيس وزراء العراق في ذلك التاريخ، ورجل إيران المخلص، هو من أعطى الأوامر للقوات العراقية بالانسحاب من الموصل وترك الأسلحة والأموال، وقد تم تحويل ملف التحقيقات إلى القضاء العراقي، ليتدخّل بعدها قاسم سليماني مباشرة لمنع محاكمة المالكي.

ثانيا، تم القضاء على الحراك السياسي السنّي في العراق تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت محاربة الإرهاب"، ثم تمّ تدمير المناطق السنّية بحجة محاربة التنظيم المتطرّف، فتم القضاء على الحواضر والمدن السنية الكبرى في العراق، وتحوّل أهل السنة العراقيون إلى بدو رُحّل يعيشون في مخيمات النزوح في الصحارى والسهول، فكان انتقاما منهم على الحراك الذي قاموا به ضد نفوذ إيران في العراق.

ثالثا، تمّت شرعنة الميليشيات الشيعية الموالية لإيران في العراق، كما تم إنشاء ميليشيات شيعية أخرى، لتنضوي جميعها تحت مسمى "الحشد الشعبي"، والذي يدين بالولاء لإيران، ويسهر على حماية مصالحها في العراق، والهيمنة على سياسته، وقمع المعارضين لهذا المشروع. كلّ هذا تمّ بحجة مواجهة داعش.

رابعا، روّجت إيران لنفسها على أنها ضرورة في العراق لمواجهة هذه التنظيمات الإرهابية، وهو ما انعكس بصورة تنسيق عسكري ميداني بين إيران وأمريكا في مواجهة داعش.

كل هذا قوّى الوجود الإيراني في العراق، وأطلق يد الميليشيات الطائفية الموالية لها لضمان عدم معارضة مشروعها على الأراضي العراقية من أيّ جهة كانت.

والسؤال الذي يطرح نفسه، هل تعمد إيران إلى نفس السيناريو في لبنان لضمان استمرار مشروعها فيه؟

لا يزال الآلاف من مقاتلي داعش أسرى في السجون السورية والعراقية، تحت نفوذ إيران، فماذا لو قامت إيران بإطلاق سراح هؤلاء المقاتلين، وأمّنت لهم طريق الوصول إلى لبنان؟

إن الساحة الشمالية اللبنانية قد تعتبر الساحة الأنسب لهذا السيناريو لأن هذه المنطقة تعتبر الثقل السني الأكبر في لبنان، والتي لا تزال بعيدةً نسبيًا عن النفوذ المباشر لحزب الله، وهي منطقة لا يوجد فيها أحزابٌ منظمةٌ تمارس دورًا أمنيا، بل هي تعيش حالة من الفوضى يسهل معها اختراقها وإطلاق يد مقاتلي التنظيم ليقيم لنفسه أرضية دون مواجهة نفوذ أحزاب تختلف معه في الرؤيا والأيديولجيا، وقد عاشت هذه الساحة تجربة سابقة مع تنظيم "فتح الإسلام" الذي تم إرساله من قبل النظام السوري إلى لبنان، وقد نام الشمال اللبناني ليلة هادئة ليستفيق على انتشار مسلحي التنظيم في مدينة طرابلس ومخيم اللاجئين الفلسطينيين في نهر البارد والمناطق المحيطة، ولتندلع بعدها معارك بين التنظيم وبين الجيش اللبناني أدت إلى نتائج كارثية على الشمال.

ماذا لو نام أهل الشمال ليستفيقوا يومًا على مشهد انتشار عناصر التنظيم في المنطقة؟ وما هي نتائج هذه الحركة على ما يشهده لبنان اليوم من أحداث وصراعات؟ وكيف سيستفيد حزب الله، وبالتالي إيران من هذا السيناريو؟

إن نتائج هذا السيناريو على بلد كلبنان، منقسم تاريخيًا بطريقة طائفية ومذهبية، ستكون على الشكل التالي:

الخطوة الأولى ستكون في القضاء على أيّ تحرّك مطلبي في الشارع، فغير السنة في لبنان، والذين شاركت منهم شرائح مهمة في الحراك الشعبي، سينكفئون عن الحراك، لأن الخوف المذهبي والطائفي سيطغى عندهم على المطالب السياسية والاجتماعية، وسيعود هؤلاء إلى التمترس خلف أمراء الطوائف الذين يحكمون لبنان اليوم، وهو ما سيُعطي دفعًا للسلطة السياسية الحاكمة، وسيصب في مصلحتها بشكلٍ مباشر، وسيعيد التأكيد على زعماء الطوائف الحاكمين كضرورة لأبناء طوائفهم لحمايتهم، وهو ما سيعزّز موقفهم السياسي مجدّدًا، وهذا يصب في صالح إيران وحزب الله، لأن هذه الطبقة لا تزال تغطي مشروع حزب الله في المنطقة.

ثانيا، سيتم قمع من سيصرّ على حراكه بقوة، فالمرحلة مرحلة مواجهة الإرهاب، ولا صوت يعلو فوق صوت معركة القضاء عليه، وهو ما سيبرّر التعامل بعنفٍ مفرط مع أي تحرك في الشارع، على افتراض حصوله.

ثالثا، ستعيد أمريكا حساباتها في مواجهة حزب الله في لبنان، وستُعطي الأولوية لمواجهة داعش فيه، تماما كما حصل مع بشار الأسد في سوريا، فمع بروز داعش وتمدّده استبدلت أمريكا أولويتها في سوريا في إزاحة الأسد بأولوية مواجهة التنظيم الإرهابي، وهذا الأمر سيخفف من وطأة الخطوات الأمريكية في لبنان في مواجهة حزب الله إلى حدّ كبير.

رابعا، سيستغل حزب الله هذا الحدث للدخول في مواجهة مع داعش، خاصة إذا عجز الجيش عن حسم الصراع معه، وهذا سيحقق للحزب أهدافا عدة:

  • سيجعل من حزب الله ضرورة لمواجهة هذا النوع من التنظيمات في لبنان، وضمان عدم سيطرتها على الأراضي اللبنانية، وفي ذلك مصلحة أمريكية وإسرائيلية، فحزب الله حزبٌ مضبوط وتابع لمشروع سياسي يسعى إلى التمدّد في المنطقة، في حين أن تنظيم داعش هو تنظيم لا ضوابط لعمله وإجرامه، وبالتالي فإن إسرائيل تفضل تواجد حزب الله على حدودها، بدل من تواجد تنظيمات أخرى على نسق داعش.
  • سيسوّق الحزب نفسه على أنه حامي الأقليات في لبنان، وهو ما سيُكتّل هذه الأقليات حوله، ويُكسبه دعم الدول التي تدعم هذه الأقليات، ويجعل منه ضرورة لتواجدها في لبنان.
  • سيحظى الحزب بنوع تعاطف دولي في مواجهته لداعش، وهو يحتاج إلى هذا التعاطف اليوم بعد أن بدأ الخناق الدولي يشتد من حوله.

خامسًا، ستكون هذه الخطوة انتقامًا من الجيش اللبناني ومن قيادته، فحزب الله، ومن ورائه إيران، ناقمان على قيادة الجيش اللبناني التي رفضت الانصياع لمطالب السلطة السياسية في لبنان في قمع حراك السابع عشر من تشرين، وكان موقف الجيش اللبناني أقرب إلى الشارع ومطالبه منه إلى هذه السلطة، وهو حمى هذا الحراك، في مراتٍ عديدة، من قمع بعض الأجهزة الأمنية المحسوبة على بعض السياسيين، فإدخال الجيش اللبناني في هكذا معركة، ممتدة على مساحة جغرافية واسعة، ضد تنظيم محترف يملك أسلحة قوية، هو توريط للجيش اللبناني في معركة قد تكون غير متكافئة، ومعركة الجيش مع تنظيم فتح الإسلام المحدودة جغرافيا مثالٌ يُقاس عليه.

سادسا، تدمير مناطق السنة الذين يمثلون عصب الحراك الشعبي في لبنان، بسبب خلو مناطقهم من تنظيمات أمنية تابعة للسلطة تمنعهم من حرية التحرّك كما حصل مع باقي الطوائف في لبنان، وهي سياسة في قلب الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، والتي تهدف إلى تدمير كل التمركزات السنية المهمة في بلاد الشام، ودفع السنة إلى الهجرة أو إلى النزوح أو إلى العيش في مخيمات، مما يضعف من أعدادهم كأكثرية في المنطقة، ويسلخهم عن أي مُقوّم للقوة، ويسمح للإيرانيين بإعادة تشكيل المنطقة ديموغرافيا بما يتناسب مع مشروعهم (وما يحصل في سوريا أكبر مثال).

سابعا، استغلال هذا الحدث للدفع بلبنان نحو إعادة التنسيق الكامل مع النظام السوري، لأن محاصرة التنظيم في منطقة تتقاسم حدودًا بريةً كبيرةً مع سوريا لا يمكن من الناحية العملياتية أن يحدث دون التنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري من طرفي الحدود، وهو ما سيقوي دور هذا المحور في المنطقة ويُعزّز وجوده والحاجة إليه.

هذه النتائج كلّها قد تجعل من هذا السيناريو آخر الدواء الإيراني في لبنان، وهو سيناريو بدأنا نلمس تمهيدًا إعلاميًا له من قبل بعض الجهات المحسوبة على هذا المحور، من آخرها إعلان حزب الله عن اعتقال خلية لداعش في الأراضي السورية المحاذية للحدود اللبنانية الشمالية، وادّعاؤه أن التحقيقات أظهرت أن هذه الخلية كانت تنوي التوجه إلى طرابلس، شمال لبنان، لإعادة تنشيط الخلايا التابعة للتنظيم، والمسؤولة عن عمليات التفخيخ والتفجير، والسؤال الذي يطرح نفسه: من يملك أن يتأكد من صحة هذه الحادثة التي وقعت في منطقة خارج لبنان وخاضعة بالكامل لسيطرة حزب الله؟

من الواضح أن إيران ليست في وارد رفع الراية البيضاء في المنطقة الآن رغم ما خلفه الحصار عليها من نتائح اقتصادية كارثية، ومن باب أولى لن تتخلى بسهولة عن مخلبها الأقوى في المنطقة، حزب الله، واللجوء إلى سيناريو داعش ممكنٌ جدًا، وقد لجأت إليه إيران من قبل في العراق كما أسلفت، فلا شيء يمنع من أن تلجأ إليه من جديد، وهو وإن كان ليس السيناريو الوحيد لإيران وحزب الله في لبنان، ولكنه يظل خيارًا قويًا أنقذ إيران من مشكلة في العراق من قبل، ويمكن أن يُنقذها مرة أخرى أيضا، فهل ستُرفرف الرايات السود قريبا في الشمال اللبناني، لتُحيل أيام الشماليين وباقي اللبنانيين سوادا وخرابًا؟

الكاتب: محمد حسين المصري، باحث سياسي ومتخصّص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.