القبائل الليبية، الرقم الصعب في معادلة الصراع

تاريخ الإضافة الخميس 27 فبراير 2020 - 2:17 م    عدد الزيارات 75    التعليقات 0     القسم منوع

        


كانت القبائل الليبية وما زالت تمثل ركيزة أساسية في معادلة الصراع القائمة في البلاد، وباتت لاعبا مهما، بفعل سياسة اتبعها العقيد الراحل معمر القذافي، والذي امتدت فترة حكمه نحو 42 عاما، عزز خلالها دور القبيلة، وعمد إلى إقامة تحالفات معها، وهو الزرع الذي كان له أثر كبير في سقوط القذافي نفسه بفعل الثورة التي اندلعت عام 2011، حين فقد دعم الجيش وأجهزة الدولة، ووجد نفسه في مواجهة مباشرة مع القبائل، ما دفعه للاستعانة بالمرتزقة الأجانب في أيامه الأخيرة.

ويرى مراقبون أن الانتماء القبلي، وما ينتجه من نفوذ واصطفاف في الصراع القائم، ما زال يضرب عميقا في ليبيا منذ عهد الملكية، ويهدد كل أشكال تطور المجتمع، ويوقف عجلة التحول الديمقراطي، تحت سطوة القبيلة، في حين يقول آخرون بأن نفوذ القبيلة وسطوتها بدأا بالانخفاض مع ارتفاع نسب التعليم، والانتقال إلى المدينة، وما أحدثه ذلك من تفكك جزئي لدور القبيلة.

وفيما يلي نرصد أبرز القبائل الليبية ومناطق انتشارها على التراب الليبي:

الورفلة

 قبيلة ورفلة هي إحدى القبائل الليبية، وتنتشر بشكل رئيسي من منطقة بني وليد غربا وحتى بنغازي شرقا، وتتواجد في سبها أيضا ومناطق أخرى في ليبيا وخارجها، تعتبر هذه القبيلة من أكبر القبائل الليبية، ويقال إن عدد أفراد يتخط المليون، بفروعها التي تتكون من حوالي 52 قبيلة فرعية.

أولاد سليمان

 تنتشر هذه القبيلة في مناطق واسعة من الجنوب الليبي، وتتألف من خمس عشائر، هي الشريدات، واللهيوات، والمياسة، والزكارى، والجباير.

يمتد تواجد قبيلة أولاد سليمان الليبية من منطقة هراوة في الشمال حتى بحيرة تشاد مرورا بسبها، وهؤلاء كان لهم كلمة في السلطة منذ عهد الملك، إدريس السنونسي، وصولا إلى عهد القذافي، حيث انقسموا في عهد الأخير بين مؤيد ومعارض له.

الطوارق

قبيلة أمازيغية تتركز في مدينة غات بأقصى الجنوب الليبي، وقد حرمت هذه القبيلة لسنوات طويلة من أبسط حقوقها الطبيعية، مثل الرقم الوطني وجواز السفر، ولها امتدادات في الصحراء الكبرى وتتوزع بين عدة دول أفريقية.

في عهد القذافي، سُمح لبعض طوارق ليبيا بالحصول على أوراق ثبوتية، لكن ظل جزء كبير منهم بدون جنسية، لأن بعض الدوائر الرسمية كانت تعتبر أن بعضهم يتحدرون من دول أخرى كالنيجر ومالي.

العبيدات والبراعصة

وهي قبائل تعيش في أقصى الشرق الليبي بمنطقة الجبل الأخضر، وتحديدا في مدينة القبة وطبرق وبنغازي والبيضاء، ولها امتدادات تصل حتى الحدود الليبية المصرية ومرسى مطروح والإسكندرية.

القذاذفة

تنتمي إليها عائلة العقيد الراحل معمر القذافي وتتمركز بمنطقتي سبها في وسط البلاد وسرت على شاطئ المتوسط غرب طرابلس، وتعتبر هذه القبيلة الأكثر تسليحا بين القبائل الليبية، وكان يعول عليها القذافي في حمايته وحماية أسرته، وقال مؤرخون إن جذور هذه القبيلة يعود إلى مدينة غريان حيث يدفن أحد أجدادهم الأوائل، ومنها انتشروا بعد ذلك في عدد من المناطق بليبيا.


قبائل ترهونة

تضم عددا كبيرا من القبائل الفرعية يقدرها البعض بنحو 60 قبيلة، وتتمركز في منطقة ترهونة في جنوب غرب طرابلس، وينتمي إلى هذه القبيلة قطاع واسع من القوات المسلحة الليبية، ويشكل عناصرها حوالي ثلث سكان العاصمة.

ينتمي إلى هذه القبائل اللواء المتقاعد خليفة حفتر، (قبيلة الفرجان)، والذي يشن هجوما متواصلا على العاصمة طرابلس منذ الرابع من نيسان/ أبريل 2019، ويقال إن حفتر قدم لهذه القبائل الأموال ووعود بمناصب رفيعة، نظير مساندتهم له، ومشاركتهم في هجومه على طرابلس.

وفي ترهونة ذاتها، أنهت قبائل ليبية الخميس الماضي اجتماعا لها، بتأكيدها على دعم هجوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة طرابلس.

وأبدى مشايخ القبائل الذين قدم معظمهم من الشرق الليبي حيث يسيطر حفتر، دعمهم لـ"الجيش الليبي" (قوات حفتر)، وعدّوا في بيانهم الختامي، أن اجتماعهم في ترهونة يمثل "تفويضا قبليا للجيش الليبي بسرعة حسم المعركة والقضاء على الميليشيات الإرهابية".

وأعلن هؤلاء تشكيل "مجلس أعيان ومشائخ القبائل الليبية" واعتباره الجسد الشرعي والوحيد لليبيا، مؤكدين دعمهم لكل الإجراءات التي قام بها حفتر لا سيما وقف انتاج النفط، مطالبين بتنفيذ كل القرارات التي أصدرها برلمان طبرق (يدعم حفتر).

قبائل مشهورة بالتزلف

الكاتب الليبي جمال عبد المطلب قال، إن هناك قبائل كثيرة منتشرة في ليبيا، تتمتع بسلطان وحضور عشائري بين الليبيين، خاصة تلك القبائل المتواجدة في الشرق الليبي (مناطق سيطرة حفتر).

لكنه لفت في حديث إلى أن "قصة القبلية في ليبيا ليس لديها سلطان، وليست متجذرة كما هول الحال في قبائل الخليج العربي التي وصلت إلى حكم البلاد".

وفي تأصيل تاريخي قال، إن "القوانين المعمول بها في ليبيا هي قوانين بريطانية، التي عملت على ضم مشايخ القبائل لوزارة الحكم المحلي وسحبت منهم أي تأثير على الدولة في العهد الملكي السابق، وهذا لا يمنع بالطبع تمتعهم بمكانة كبيرة وسلطان أدبي بين الناس".

ولفت إلى أن "المنطقة الشرقية في ليبيا تجد فيها القبيلة لها سلطان ومتجذرة أكثر من المناطق الغربية والجنوب والوسط، مشددا على أن تلك القبائل "مشهورة بالتقرب والتزلف للحكام منذ العصر الملكي، مرورا بعصر القذافي الذي ميزهم عن غيرهم من زعماء القبائل".

لعب على التناقضات 

وأضاف: "القذافي حاول دائما أن يبحث عن أي تناقضات لتدعيم ركائز حكمه، ولذلك سعى لعقد تحالفات بالفعل مع القبائل خاصة قبائل بني وليد مثل قبائل الورفلة، وأولاد سليمان، وتحالفات أخرى، ولكن القذافي أنهى في مرحلة ما تحالفه مع قبائل ورفلة، عقب انقلاب مزعوم قاده أحد أفراد القبيلة وكان حينها ضابطا في الجيش، ولذلك غيّر تحالفاته مع قبائل أخرى مثل قبائل ترهونة التي تقف حاليا مع حفتر في هجومه على العاصمة طرابلس".

وتابع: "عقد القذافي هذا التحالف كون هذه القبائل تسكن مناطق قريبة من العاصمة، وتعتبر حاجزا بينه مقر حكمه وبين مناطق بني وليد وحاول خلق فتن بينها، لكنه لم ينجح، وكرر نفس التحالفات مع قبائل ورشفانة التي تسكن مناطق قريبة من العاصمة".

وشدد على أن التحالفات تحولت من القبلية إلى المناطقية والجهوية، والتي بدأت تأخذ مواقف مما يجري على الساحة الليبية، لا سيما الهجوم الأخير لحفتر على طرابلس، وأصبحت "المناطقية" لها دور في الصراع القائم الآن في ليبيا، على أساس المناطق التي تتكون في أساسها من قبائل.

ولفت إلى أن النظام الملكي حاول في مرحلة ما أن يتخلص من رواسب النفوذ القبلي من خلال اطلاق التعليم، والسماح بإنشاء الأحزاب وإطلاق الحياة الديمقراطية إلا أن ذلك لم ينجح".

ترهونة تدعم حفتر

وفي ما يتعلق بهجوم حفتر على العاصمة طرابلس، شدد على أن القبائل الليبية منقسمة فيما يتعلق بدعم حفتر، وهجومه على العاصمة طرابلس، لافتا في هذا الاتجاه إلى أن أغلب قبائل ترهونة تؤيد حفتر التي ينتمي إليها، بعد أن وعدها بالسلطة حال تمكنه من الحكم.

وأضاف عبد المطلب، أن حفتر استطاع أن يصنع تحالفات مع بعض المناطق و القبائل، عبر استخدام المال الإماراتي، واستغل حقد بعض القبائل على ثورة فبراير، وسط حديث يدور عن توظفيه لعشرات ملايين الدولارات لاستمالة القبائل، مشددا على أن بعض القبائل وقفت معه ليس حبا فيه أو اقتناعا بما يفعل، بل نكاية في بحكومة الوفاق في طرابلس.

وتابع: "حفتر هو تلميذ من تلامذة القذافي، وهو يعاني من إدمان الفشل، وسطحي ليس لديه الفكر، ويستخدم جميع الأساليب في محاولة لتحقيق تطلعاته بحكم ليبيا".


تقلص دور القبيلة

 الكاتب والمحلل السياسي، صلاح البكوش قال، إن الانتماء القبلي "تقلص وفقد أهميته السابقة مع إنتقال معظم أفراد القبيلة إلى المدينة وتحسن التعليم والثورة المعلوماتية وما ينتجه ذلك كله من قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة ونظرة مختلفة لكيفية التعامل معها، وهو ما يدعو لعدم المبالغة بتأثير زعماء القبائل على المستوى السياسي".

وأضاف في حديث أن "الأجهزة الأمنية، والمجموعات المسلحة، ومؤسسات الدولة الاقتصادية والمنشآت النفطية يوجد فيها أكثر من 75% من القوى العاملة والفاعلة على الأرض وينتمون الى قبائل مختلفة، ولا دور مهم لشيوخ وأعيان القبيلة فيما يتخذونه من قرارات".

وشدد بالقول: "الزعماء القبليون تقليديًا يضطلعون بدرجات مختلفة بحل النزاعات الاجتماعية وما يتعلق بملكية الأرض وما إلى ذلك، فسلطة القبيلة تقلصت بدخول الإسلام والدولة العثمانية والاستعمار الإيطالي والدولة الليبية الحديثة سواء كان ذلك في عهد المملكة أو عهد القذافي".

ومعلقا على هجوم حفتر قال، "في الوقت الراهن، يستعير حفتر من المحاولات اليائسة للقذافي في 2011 ويحاول جمع وجوه القبائل حوله، ليقنعنا بأن القبائل الليبية بسلطانها الافتراضي تدعم ما يقوم به وبالتالي نقبل بفرضية أن إنتصاره أمراً مفروغ منه.

وأردف: "نذكر أن مصير القذافي لم يتغير عندما بايعه عقيلة صالح (يدعم حفتر من موقعه كرئيس لمجلس النواب الليبي في طبرق) ومجموعة من قبيلة العبيدات من مدينة القبة في شرق ليبيا في السابع من فبراير 2011، ولم يغير من الأمر شئ انعقاد (الملتقى الوطني لشيوخ وأعيان قبائل ليبيا) في طرابلس في التاسع من حزيران/ يونيو 2011 والذي وصف ثوار 17 فبراير بالخونة وتعهد بعدم التخلي عن العقيد القذافي.

عضو أمانة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والكاتب الليبي، علي الصلابي كان قد أوضح الأبعاد القبلية للصراع في ليبيا، حين أكد أن القبائل تستطيع أن تلعب دورا بارزا في صنع السلام في البلاد.

وقال في رسالة وجهها إلى الرئيس التونسي قيس سعد الذي يقود مبادرة للحل في ليبيا، إن القبائل الليبية ليست جسما واحدا، كما أنها ليست معزولة عن القيم الإنسانية المتصلة بالدولة المدنية، وأن أنصار الدولة المدنية الحديثة من أبناء القبائل هم الأوسع انتشارا من الموالين لخيار عسكرة الدولة المدعومين من قوى الثورات المضادة في العالم العربي.

وأضاف: "لا شك أن القبائل تعتبر من ركائز السلام والمصالحة وليست الركيزة الوحيدة، فأبناء القبائل منقسمون فكريا وثقافيا بين مناصرين للدولة المدنية ودولة الدستور ودولة الحريات ودولة القانون ودولة القضاء، وهم الأكثرية، وبين موالين لعسكرة الدولة وحكم العسكر وهم القلة، وإن كانوا أعلى صوتا وشغبا ودعما من الثورات المضادة".

وتعاني ليبيا من صراع مسلح، إذ ينازع اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليًا، على الشرعية والسلطة في البلد الغني بالنفط، ويشن هجوما متواصلا منذ الرابع من نيسان/ أبريل الماضي، دون أن يتمكن من السيطرة على مقاليد الأمور في العاصمة التي تبدي مقاومة شرسة لقواته.


مقالات متعلّقة