أثر الحروب على مستقبل الشباب وسبل تنميتهم

تاريخ الإضافة الثلاثاء 17 مارس 2020 - 2:49 م    عدد الزيارات 34    التعليقات 0     القسم منوع

        


تناولنا في أبحاثٍ سابقةٍ مسألة الشباب الليبي، وأهم مشاكله، وما يعانيه من مصاعب تحول بينه وبين مستقبل يحلم به، وما هي أكبر المصاعب التي تعترضه وتحول دون أن يحققوا ما يسمون إليه من واقعٍ مرتجى، وسنحاول في هذا البحث أن نخصّص أكثر فنتكلّم عن أثر الحروب على الشباب في المجتمعات، وكيف تعيق إنتاجهم الفكري والمادي، وكيف تتأثر سبل تنمية الشباب والنهوض بهم بالوضع المتأزم أمنيا.

إن للحرب المطولة آثار سلبية على الفرد، صحية وبدنية، وكذلك اقتصادية، ولا يخفى أيضا ما لها من تأثيرات على رسم مستقبله، وفي المقابل فإن حالة الاستقرار تساعد على التفرّغ لتنمية النشأ في المجتمعات بما يساهم في التقدّم بها والترقي إلى الأمام بواقعها.

       آثارالحروب والنزاعات المسلحة على المجتمعات:

إن للنزاعات آثارها الخطيرة على المجتمع، سواء من الناحية الإنسانية، لإمكانية سقوط العديد من الضحايا بين قتلى وجرحى، أم من الناحية السياسية، حيث تُهدد الدولة في كيانها السياسي، مما قد تؤدي إلى انفصال إقليم من أقاليمها، وتكوين كيان سياسي مستقل، الأمر الذي قد يدفع أقاليم أخرى إلى التطلع للقيام بمثل هذه النزاعات أملا في الحصول على استقلالها عن الدولة الأم، وهو ما حدث إبان انهيار الاتحاد السوفيتي في أعقاب انتهاء الحرب الباردة، ولا تتوقف آثار هذه النزاعات عند هذا الحد، بل قد تكون لها آثارها التدميرية على المنشآت الاقتصادية، بالإضافة إلى أنها تؤدي إلى هروب الاستثمارات، سواء في ذلك المحلية أم الدولية.

سنحاول أن نستعرض بشيء من الإيجاز الآثار المختلفة للنزاعات والحروب على المجتمعات، وعلى كافة الأصعدة فيها، وهي كما يلي:

 الآثار الإنسانية:

إن الآثار الإنسانية للنزاعات الداخلية خطيرة جدا، وأشدها خطورة هي سقوط العديد من الضحايا المدنيين الأبرياء بين قتلى وجرحى، وتعدّ الحروب والنزاعات الداخلية من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى انتهاك حق الحياة بشكل كبير، لأنها توقع عددا كبيرا من القتلى في صفوف المدنيين الأبرياء، كما هو الحال الآن في ليبيا.

ولو دققنا في بعض الإحصائيات للحروب التي وقعت في العصر الحديث لوجدنا أن أعداد القتلى من المدنيين والعسكريين كانت كارثية بحيث إنها قضت بشكلٍ شبه كاملٍ على مجتمعات.

ففي الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 تراوح عدد القتلى مابين 600 ألف ومليون قتيل من المدنيين والعسكريين من كلا الجانبين، وخصوصا من الجانب العراقي.

أما في الحرب الأهلية في السودان، والتي استغرقت فيها حرب الجنوب 21 عاما، وانتهت بسلام هش عام 2005، فقد حصدت أكثر من مليون ونصف شخص، وتشريد ما يقرب من خمسة ملايين، واتسع نطاق الحرب الأهلية لتضم مناطق جديدة في إقليم دارفور وغيرها.

كذلك، فإن الحرب الأهلية في الجزائر، والتي اندلعت بين القوات الحكومية ومسلّحين إسلاميين، حصدت ما بين 100 إلى 200 ألف قتيل، وكانت الحرب الأهلية في سيراليون قد حصدت أكثر من نصف مليون شخص، في الفترة التي امتدت بين عامي 1991 و 2002، وتعد الحرب في كولومبيا من أكثر الحروب الأهلية عنفا، فقد استمرت أكثر من أربعة عقود وحصدت الملايين من القتلى، أما الحرب اللبنانية، والتي بدأت في ديسمبر 1975، واستغرقت 15 عاما، فقد  كان من نتائجها مقتل أكثر من 200 ألف شخص، ومورست خلالها عمليات القتل على الهوية الطائفية في مراحلها الأخيرة.

بالإضافة لما سبق، فإن الدول التي تشهد نزاعات داخلية تبرز فيها مشاكل اللاجئين والنازحين داخليا ودوليا، وهذا ما كان عليه الحال في معظم الدول الأفريقي،ة حيث بلغ عدد اللاجئين في هذه القارة أكثر من 4.3 مليون لاجئ في عام 1997، في حين بلغ عدد العائدين إلى مناطقهم فقط 1.7 مليون، وقد شهدت أفريقيا خلال التسعينات من القرن السابق امتداد النطاق الجغرافي لحالة اللجوء فيها، وذلك من حقيقة ارتباط ظاهرة اللجوء بالنزاعات الداخلية في الدول الأفريقية، ومن أمثلة ذلك أنجولا، وبوروندي، وتشاد، والكونغو، وجيبوتي، وأريتريا، وأثيوبيا، وغانا، وليبيريا، ومالي، وموزنبيق، والنيجر، ونيجيريا، ورواندا، والسنغال، وسيراليون، والصومال، والسودان، وتوجو، وأوغندا، ليصبح عدد اللاجئين منذ بداية عام 2000، في بلدان شرق أفريقيا و القرن الأفريقي، حوالي 1.6 مليون لاجئ، و475 ألف لاجئ، في بلدان وسط أفريقيا، و575 ألف لاجئ في بلدان شمالي أفريقيا، و238 ألف لاجئ في بلدان جنوبي أفريقيا، و834 ألف لاجئ في بلدان غربي أفريقيا، أي أن مجموع عدد اللاجئين في أفريقيا بلغ وقتها حوالي 3.52 مليون لاجئ.

ومن أبرز الأمثلة على النزوح، واللجوء إلى الدول الأخرى، ما تعرض له التوتسي في رواندا من قبل الهوتو، حيث أدت الحرب الأهلية إلى لجوء أعداد ضخمة من السكان في عام 1994، قدر عددهم بـ2 إلى 3 ملايين شخص، وهو رقم يعادل ربع سكان رواندا.

وقد أشارت تقارير مركز مراقبة النزوح الداخلي، التابع للمجلس النرويجي للاجئين، في نهاية عام 2008، إلى أن عدد النازحين بلغ 11.6 مليون نسمة في أفريقيا، و4.5 مليون في الأمريكيتين، و3.9 مليون في الشرق الأوسط، و3.5 مليون في جنوب آسيا وجنوب شرقي آسيا، و2.5 مليون في أوروبا وآسيا الوسطى.

وقد توالت حالات النزوح في لبنان، منذ الحرب الأهلية التي وقعت بين الأعوام من 1975 و1990، والاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان طوال 18 عاما، كما أدى النزاع المسلح العنيف الذي وقع في منتصف عام 2008، في مدينة طرابلس، إلى نزوح آلاف الأسر بشكل مؤقت.

وقد يترتب على النزاعات العسكرية عمليات واسعة من التنكيل بالأفراد التابعين لهذا الطرف أو ذاك، إذ يتعرض الضحايا لعمليات التعذيب، والاعتداء الجنسي، وعمليات هتك العرض، كذلك تؤثر على الأسرة، ويتعرض الأطفال لسوء التغذية، فقد بلغ معدل سوء التغذية نتيجة للتشرد 20 % بين الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات لدى اللاجئين، وخاصة بين الأطفال الروانديين في زائير عام 1994، ووصلت إلى 50% في الصومال سنة 1992.

الآثار السياسية:

إن للنزاعات العسكرية آثارها السياسية على الدول التي تقع فيها، حيث تعد مشكلة انهيار الدولة من أولى النتائج والآثار المترتبة على النزاعات الداخلية والحروب الأهلية، ويقصد بانهيار الدولة تقويض مؤسسات الدولة، وانهيار أجهزتها بما لايسمح لها بأداء وظائفها المختلفة، ويتخذ هذا الانهيار، نتيجة للنزاعات، نمطين أساسين:

النمط الأول: الانهيار الشامل للدولة، ويقصد به انهيار سلطتها المركزية، ويحدث ذلك عندما تؤدي الإطاحة بالنظام إلى حدوث حالة من الفوضى الشاملة بما لا يسمح لأي من الجماعات المتنازعة بالسيطرة على الحكم بصورة كاملة.

النمط الثاني: الانهيار الجزئي، ويقصد به ضعف سلطة الحكومة، وترهل جهازها البيروقراطي الذي ينجم عنه عجز الدولة عن فرض سيطرتها على جميع أقاليم الدولة، وقد تؤدي النزاعات إلى مطالبة بعض الجماعات بالانفصال عن الدولة الأم، ومحاولة إنشاء كيان سياسي آخر مستقل، كما حدث في الصراع الليبيري، ومسلسل العنف فيها، حتى أن البعض قالوا في وصف هذه الحرب بأن الناس فيها تحارب من أجل الحرب، لأن الفصائل المتصارعة لا تحارب تحت مظلة أيديولوجية، ولا في ظل برنامج سياسي معين، ولكن الكل يحارب الكل من أجل مصالحه، حتى أن “تشارلز تيلور”، زعيم إحدى الفصائل المتناحرة في ليبيريا، اتخذ إحدى المدن عاصمة له، وصك عملة خاصة به، وعمل على إعطاء امتيازات من جانبه للشركات الأجنبية مقابل دعم مالي.

كما أن هذه الصراعات قد تستمر في بعض الحالات بشكل يصعب معه التنبؤ بإمكانية انتهائها، كما حدث في الصومال، وانهيار الحكومة المركزية فيها، وذلك لأن الحكم في هذه الدول يقوم على أساس الانقلابات والانقلابات المضادة، ومن الملاحظ أن هذه الانقلابات يقوم بها قادة من القوات العسكرية، وقد ترتب على ذلك خلق حالة من القلق والصراع بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات المدنية الأخرى في الدولة، كما حدث في غواتيمالا عندما تعاقب فيها خلال ثلاثين عاما ثمانية من العسكريين.

ويترتب على الانقلابات العسكرية حقائق سياسية وقانونية متناقضة، حيث إن الأشخاص الذين كانوا في صراع مع السلطة الحاكمة أصبحوا مسؤولين في السلطة، وفي ظل هذه الأجواء السياسية المضطربة، وكذا العمليات المسلحة بين الأطراف المتنازعة داخل الدولة، نشهد انهيار أجهزة الدولة الأمنية، جزئيا أو كليا، بحيث يصبح المواطن هو المعني بحماية نفسه، نظرا إلى فقدان الدولة لأهم اختصاصاتها تجاه مواطنيها، وهو تحقيق الأمن لهم، فتبدأ عمليات التصفية الجسدية، والتخريب للمنشآت الاقتصادية، وعمليات السرقة والنهب، كما حدث في غواتيمالا سنة 1980، حيث توالت أعمال العنف والقتل ضد السياسيين والصحفيين والدبلوماسيين.

الآثار الاقتصادية والاجتماعية:

إن النزاعات الداخلية لها آثارها الخطيرة من الناحية الاقتصادية، حيث تؤدي إلى إعاقة حركة التنمية بسبب هروب الاستثمارات الداخلية، ومنع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى الدولة محل النزاع، نظرا لإمكانية تدمير المنشآت الاقتصادية، وتدمير البنية الأساسية اللازمة لتطوير العمليات الاقتصادية داخل الدولة، بالإضافة إلى خلق أعباء جديدة تتمثل في عمليات الإغاثة اللازمة لضحايا هذه النزاعات، كما حدث في الدومينيكان عام 1961.

والنزاعات العسكرية تدمر المنشآت الاقتصادية، وتستنزف موارد الدولة في صور إنفاق عسكري بدلا من تخصيصه لبناء المؤسسات التعليمية المنهارة، حيث بلغ متوسط الإنفاق العسكري في دول أفريقيا عام 1984 حوالي 3% من الناتج القومي الإجمالي، إلا أن الدول التي تورطت في نزاعات مسلحة داخلية كانت نسبة الإنفاق العسكري فيها بين 14.2 و 93%، ومن الملاحظ أن هذه الدول جميعا دول فقيرة، وتعاني من مشاكل اجتماعية واقتصادية جمة، وقد أدت زيادة الإنفاق العسكري فيها إلى زيادة الديون، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، حيث بلغت ديون الجزائر على سبيل المثال 25 مليار دولار مع تزايد النزاع المسلح فيها بين الحكومة والجبهة الإسلامية المناوئة لها، وقد مثلت هذه الديون 80 % من عائدات الصادرات الجزائرية.

كذلك، فإن من بين الآثار الاجتماعية للنزاعات المسلّحة عمليات التهجير، وتدمير البنى التحتية، وما تتركه من آثار على الظروف المعيشية، وخاصة على دخل الأسرة والبطالة، وما تتركه على الظروف الصحية والتعليمية للأسرة، وما يطرأ من تغيير في الأدوار داخلها، وخاصة دور المرأة، وكذلك ما تعانيه الأسرة من آثار مترتبة على تراجع مستوى الدخل، وتقطع سبل المعيشة، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع المستويات الصحية والتعليمية للأسرة، وآثار ذلك على المجتمع بشكل عام، من خلال مؤشرات التنمية البشرية وغيرها من المقاييس.

ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في جنوب السودان من حالات الاختفاء القسري لبعض السكان، وكذلك استخدام الأطفال كجنود ومقاتلين، إضافة إلى التشريد، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب، وإساءة المعاملة للمدنيين، كذلك ما أدى إليه النزاع في دارفور من تدمير كامل للبنية الاجتماعية هناك، وأسهم في خلق العداء والكراهية بين القبائل بصورة غير مسبوقة في تاريخ دارفور، وأدى إلى نزوح إلى المدن، ولجوء إلى دول الجوار، مما ساهم في خلخلة النسيج والقيم الاجتماعية، كذلك أدت الحرب إلى خلق مواطنين غير منتجين يعتمدون على الإغاثات، وإلى حرق القرى، وهجر مناطق الإنتاج من قبل سكانها، مما أوقف عجلة الإنتاج في دارفور تماما، وخاصة الإنتاج الزراعي، ومن ناحية أخرى تم تدمير الثروة الحيوانية، ونهب الآلاف منها، وتهريبها إلى دول الجوار والخرطوم.

كما أن أي مجتمع يمرّ بفترة من النزاع، أو الحروب الداخلية، يحتاج إلى إعادة إعمار شاملة، وإلى إعادة إشاعة ثقافة السلام بين أبنائه، والبدء بعمليات بناء السلام تحتاج إلى اتخاذ أنشطة ترمي إلى تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة بهدف القضاء على الفقر، والعمل من أجل التوصل إلى حلول فعالة ومنصفة لمشاكل الديون الخارجية، وتحقيق الأمن الغذائي المستدام، وتعبئة الموارد من جميع المصادر، وتحسين توزيعها، والإفادة منها، وأن تكون التنمية تشاركية من قبل الجميع، وتوفير احتياجات الأطفال والفئات ذات الاحتياجات الخاصة.

إن آثار النزاعات تمتد كذلك إلى الجانب النفسي، وما تتركه من طباع وسلوكيات غير سليمة لأبناء المجتمع في تعاملهم مع بعضهم البعض، ومع الآخرين، وحتى بعد انتهاء النزاعات، فإن الكثير من الأحقاد تبقى، وكثير من المتضررين منها غير مستعدين لكي يعملوا من أجل خدمة وبناء المجتمع من جديد.

إضافة إلى ما سبق، فإن للنزاعات آثار إقليمية، حيث إن حركة التجارة الدولية، والاستثمارات بين دولة النزاع والدول المجاورة لها، تتأثر بالنزاع، وكذلك، فإن حركة اللاجئين عبر الحدود تعمل على تحميل دول الجوار بأعباء اقتصادية إضافية لتوفير الحاجات الضرورية لهؤلاء اللاجئين، وإمكانية تسرب بعض الفئات المعادية للدولة المستقبلة للاجئين، مما يؤثر على النظام فيها.

المصدر: مؤسسة طرابلس الغرب للدراسات


مقالات متعلّقة