وسقط قناع “التكنوقراط”

تاريخ الإضافة الأربعاء 1 أبريل 2020 - 6:31 م    عدد الزيارات 224    التعليقات 0     القسم سياسي

        


في 17 تشرين الأول 2019م خرج الشعب اللبناني في احتجاجات عمّت كافة الأراضي اللبنانية، وطالب المتظاهرون بذهاب كلّ الطبقة السياسية التي حكمت لبنان لعقود، وأدت إلى انهيار شامل لمختلف قطاعاته الاجتماعية، وعلى رأسها القطاع الاقتصادي الذي أثقل كاهل المواطن اللبناني، وجعل المعيشة في لبنان ضنكا.

اضطرت حكومة سعد الحريري، تحت ضغط الشارع ظاهريا، ولـ”غايةٍ في نفس سعد” باطنيا، إلى الاستقالة، وكانت هذه الخطوة، في ظاهرها، أولى مكتسبات الحراك الشعبي في طريق إسقاط كلّ الطبقة الحاكمة، إلا أن الخطوط الحُمر التي وضعتها البطريركية المارونية فيما يتعلق بموقع رئاسة الجمهورية، وعدم القبول بإسقاط رئيس الجمهورية “الماروني” في الشارع، حال دون حلم إسقاط العهد، ومن بعده كل الطبقة السياسية، تحت شعار “كلن يعني كلن”، واقتصرت المطالبات على حكومة “تكنوقراط” بصلاحياتٍ تشريعيةٍ استثنائية تعمل على وضع قانون انتخابات يتناسب مع تطلعات الشارع، ثم الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرةٍ تفرز مجلسًا جديدًا تتمثل فيه الثورة الشعبية، ليصار بعد ذلك إلى انتخاباتٍ رئاسية وإجراءات إصلاحية داخل الجسم القضائي، للانتقال إلى مرحلة أخرى عنوانها “محاربة الفساد والمفسدين” و”استرداد الأموال المنهوبة”، وهي خطوات تتطلب جسما قضائيا نزيها وسليما.

فإذا، وبعد استعراض سياق المطالبات الشعبية تاريخيا، نجد أن “حكومة التكنوقراط” لم تكن مقصودة لذاتها، أو خطوة نهائية للحراك الشعبي، بل هي الخطوة الأولى التي يستتبعها ما بعدها، بعد أن تنجح، فهل نجحت فعليا هذه الخطوة؟ وهل تحققت آمال الشارع على هذا المستوى الضروري والأساسي لما بعده؟ فنجاح كل الحراك رهنٌ بالجواب على هذه الأسئلة، ويجب على الشارع أن يعيد نفض الغبار عن مطالبه ويبلورها من جديد، فبروباغاندا السلطة استطاعت أن تبرز هذه الخطوة وكأنها الحل الأول والأخير، فنسي كثيرٌ من الذين خرجوا إلى الشارع أنها ليست سوى خطوة أولية يلزم عنها خطواتٍ في طريق الحل النهائي.

وللإجابة بشكلٍ حاسمٍ عن هذه الأسئلة التي دار حول إجاباتها الكثير من اللغط، منذ اللحظة الأولى لتسمية الدكتور حسان دياب لرئاسة الحكومة، لا بدّ من الإجابة على سؤالٍ نظريٍّ ولكن أساسي للإجابة على الأسئلة الأساسية التي أوردتها آنفا، والسؤال هو: “ما المقصود بحكومة تكنوقراط؟

لتبسيط الإجابة عن هذا السؤال، ولتجنّب الأسلوب الأكاديمي في تحليلي مصطلح (Bureaucracy)، أقول إن “تكنوقراط”، بالمعنى اللغوي المباشر للمصطلح، تعني مجرد حكم الاختصاصيّين، ولكن!!!

هل هذا المعنى هو المقصود فعلا عندما نتكلم عن حكومة “تكنوقراط” في الخطاب التداولي السياسي، أي بالمعنى الاصطلاحي السياسي للكلمة؟ الإجابة قطعا “لا”، فحكومة “تكنوقراط” تعني حكومة مؤلفة من وزراء متخصّصين في الحقائب التي يستلمونها، وهم “مستقلّون عن أيّ انتماءٍ سياسيٍّ يحول دون أداء وظائفهم بشكلٍ تخصّصي بحت“، بمعنى آخر “مستقلون عن كلّ التجاذبات السياسية للأحزاب الحاكمة بما يحول دون أن يؤدوا وظائفهم بشكلٍ مهنيٍّ بحت لا يأخذ مصالح الطبقة الحاكمة بعين الاعتبار في أيّ مسألة من المسائل المرتبطة بأداء عملهم كوزراء”. هذا هو المعنى السياسي لحكومة “تكنوقراط” ، وهي الحكومة القادرة فعليًّا على أن تنفّذ كل الخطوات اللاحقة التي ذكرتها سابقا، والتي يطالب بها الشعب اللبناني، أو لِنقُل، القسم الثائر منه.

وبالعودة إلى الواقع اللبناني، وبالنظر إلى حكومة الدكتور حسان دياب من منظار التأصيل السياسي لمعنى “تكنوقراط” سالف الذكر، هل الحكومة اللبنانية الحالية هي حكومة تكنوقراط؟

لو نظرنا سريعا إلى الأحداث التي تلت تسمية الدكتور حسان دياب لتشكيل الحكومة اللبنانية الحالية يوم الخميس 19 كانون الأول 2019م، بعد مشاورات نيابية ملزمة لرئيس الجمهورية، وما تلى هذه الخطوة من مشاورات لدياب مع الكتل النيابية لتشكيل الحكومة، والتي أعلن عن تشكيلها يوم 21 كانون الثاني 2020م، لو نظرنا إلى هذه الفترة التي امتدت لأكثر من شهر، واسترجعنا الأحداث التي جرت خلالها، للاحظنا الصراع الكبير الذي نشأ بين الطبقة الحاكمة في لبنان على تقاسم الحصص الوزارية في تلك الحكومة، مما يوحي باستمرار تمثّل تلك الطبقة في الحكومة تحت ستار الاختصاصيين، ولتخرج السلطة بعدها إلى العلن لتقول للناس بكلّ بجاحة “لقد نفذنا مطلبكم الشعبي المتمثّل بحكومة تكنوقراط”.

اعتبرت الطبقة السياسية في لبنان أنها سحبت البساط من تحت الحراك الشعبي بتشكيلها ما تدّعي أنها حكومة تكنوقراط، وهي أولى مطالب الشعب اللبناني، وهي بذلك مارست مغالطتين اثنتين استطاعت من خلالهما الالتفاف على مطالب الشعب، المغالطة الأولى بتفسير “تكنوقراط” بالمدلول اللغوي فقط، أي مجرد حكومة اختصاصيّين، دون أي قيد إضافيّ (لزوم كونهم مستقلين)، والمغالطة الثانية عبر بروباغاندا إعلامية لتكريس فكرة مفادها أن تشكيل حكومة تكنوقراط هي المطلب النهائي للحراك، وبالتالي، بعد أن شُكّلت حكومة الدكتور حسان دياب لم يبق للشارع الثائر أيّ حجّة في الاستمرار في حراكه.

إن المتابع للشأن اللبناني يمكنه أن يدرك بسهولة أن الشخصيات “المختصة”، في حكومة الدكتور حسان دياب، مرتبطة حتى العمق بالطبقة السياسية والأحزاب الحاكمة، وبعضها معروفٌ بعلاقته القريبة جدا من بعض السياسيين أو الأحزاب، وبعضهم كانوا مستشارين لوزراء سابقين، وهكذا…

إلا أن حسم هذا الخلاف بين السلطة الحاكمة وبين الشعب جاء من جانب السلطة، وأسقطت أي تأويلٍ يمكن أن تلجأ إليه الطبقة الحاكمة لتبرير تشكيلة الحكومة الجديدة، واستمرار تقديمها على أنها حكومة تكنوقراط، فقد لوّح رئيس تيار المردة، الوزير السابق سليمان فرنجية، منذ أيام، بـ”تعليق مشاركته في الحكومة” على خلفية خلافاتٍ بينه وبين رئيس التيار الوطني الحرّ، الوزير السابق جبران باسيل، حول تعيينات نواب حاكم مصرف لبنان، كما هدّد رئيس مجلس النواب، نبيه بري، بـ”تعليق تمثيله في الحكومة” على خلفية الخلاف حول قضية المغتربين اللبنانيين العالقين في الخارج بسبب إغلاق الحدود البرية والبحرية والجوية للبنان نتيجة تفشي وباء كورونا.

فإذا، سليمان فرنجية يهدّد بتعليق مشاركته في الحكومة الجديدة، كما فعل أيضا الرئيس نبيه بري، بتهديدات صريحةٍ لا تقبل أيّ تأويل أو اجتهاد، وهو ما يؤكّد ما قلناه، وقاله كثيرٌ من الناشطين في الحراك اللبناني، على أن هذه الحكومة هي حكومة الطبقة الحاكمة بقناع “تكنوقراط”، فهل بقي أمام هذه السلطة أيّ حجةٍ تكذب بها على اللبنانيين بعد أن أسقطت قناع الـ”تكنوقراط” بأيديها؟ وهل أبقت لأبواقها الذين ملأوا الشاشات دفاعًا عن “حكومة المختصين” أيّ ذريعة لنسج نظرياتهم السياسية حول عدم جدوى الحراك بعد اليوم؟

أثبتت الطبقة الحاكمة في لبنان، منذ 17 تشرين الأول الماضي وحتى يومنا هذا، أنها غير مستعدّة للتنازل عن أيّ مكتسبٍ من مكتسباتها لصالح الشعب اللبناني، وهي لا تزال تمارس المغالطات والمراوغة للالتفاف على مطالب هذا الشعب، غير آبهةٍ بالانهيار الدراماتيكي السريع الذي يشهده لبنان، ويلقي بثقله على المواطن اللبناني، الذي تم تجريده من كلّ حقوقه كإنسان من قبل هذه الطبقة، وقد مارست في سبيل ذلك كل المغالطات، مما مكّنها من امتصاص الموجة السابقة للحراك الشعبي، وليأتي وباء كورونا كحليفٍ للسلطة، وليمنع الناس من النزول إلى الشارع، فهل سيشهد لبنان، بعد انحسار الوباء، موجة حراكٍ ثانية أشد عنفًا، سيّما، بعد أن أسقطت الطبقة السياسية اللبنانية بأيديها “قناع التكنوقراط”؟ الأيام القادمة حبلى بالأحداث، وهي وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال.

الكاتب: محمد حسين المصري

باحث سياسي ومتخصّص في العلوم السّياسية والعلاقات الدوليّة


مقالات متعلّقة