النسبية، وآثارها في المجتمع الإسلامي (1)

تاريخ الإضافة الأربعاء 15 أبريل 2020 - 2:26 م    عدد الزيارات 113    التعليقات 0     القسم منوع

        


الحلقة الأولى

مقدمة:

جرت، منذ أيام خلت، نقاشاتٍ واسعةٍ على إحدى مجموعات التواصل الاجتماعي، والتي تجمعني مع إخوة أفاضل من أهل الاختصاص والعلم، حول موضوع "اللاأدرية" وتأثيراتها على عالمنا الإسلامي على وجه الخصوص، وقد أحببت أن أُدلي بدلوي، وأشارك في هذا النقاش، سيّما أن أحد تخصّصاتي هو في "الأديان والفلسفات المقارنة"، زيادة على أني من المهتمّين بالتعرّف إلى الفلسفة الحديثة، لما لهذه الفلسفة، الحاكمة الآن، تأثيراتٌ على مجتمعنا الإسلامي، تأثيراتٌ طالت مختلف مناحي الحياة، الفكرية (وهي الأخطر)، والعملية، والسلوكية، ولا يمكن الردّ على ما نراه مخالفًا لنا إلا بتصوّره، إذ إن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره، وكلّما كان التصوّر أقرب إلى الواقع كلّما كان الحكم أقرب إلى الحق.

وسأنتقل هنا، رغم خطأ هذا الأمر من الناحية المنهجيّة، إلى النتائج مباشرةً، للقول إن معالجة قضية "اللاأدرية" لايمكن إلا من خلال إرجاعها إلى الفكرة الأم، وهي فكرة "النسبيّة"، إذ إن مناقشة الفرع مفصولا عن أصله قد لا يوصل إلى نتائج مفيدة، ولذلك كانت كتابتي موجّهة باتجاه النسبية، ومعالجة الأعم يستلزم معالجة الأخص ولا عكس.

بَيْد أن هناك ملاحظاتٍ لا بدّ من التطرّق إليها، وهي ملاحظاتٌ يستطيع الناظر الناقد أن يستشفّها من خلال الكتابات العربية، الإسلاميّة منها وغير الإسلاميّة، ومن خلال النقاشات التي تشتعل على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وما أكثرها، هذه الملاحظات تتعلّق بالنظرة العربيّة "المُسطّحة" إلى العلوم والمعارف. وربّما هذه المُعضلة لم تعد مشكلة العقل العربي فقط، بل نستطيع أن نلاحظها في جميع المجتمعات في العالم، إلا أن ما يهمني هو تسليط الضوء عليها في مجتمعاتنا، فهي الأجدر بنا للالتفات إليها لحسن تصوّرها ومحاولة علاجها.

هذه المشكلة، "التسطيح الفكري"، تعني بكلّ بساطة أن العقل العربي بات ينحو نحو الاكتفاء بملاحظة ظواهر الأشياء دون الغوص في جذورها، ومحاولة التعرّف إلى سياقاتها الفلسفية والتاريخية والاجتماعية، والتي أدّت إلى تشكّلها على النحو الذي نعرفه نحن اليوم، بل ويعتبر أن العودة إلى جذور هذه الأفكار لِفهم نشأتها هو ضربٌ من تضييع الوقت، ومن "التفلسف الفارغ" عند هؤلاء "العمليين" الذي يبشّرون بانتهاء حقبة التفلسف للتفلسف، على حدّ وصفهم، والانتقال إلى حقبة العمل والإنتاج، تأسّيا بـ"المجتمعات المتقدّمة" المنتجة، وغفل هؤلاء، نظرا لسطحيّتهم، أن الغرب لم يصل إلى ما وصل إليه اليوم إلا بعد نقاشاتٍ فكريّةٍ استنفزت أعمار فلاسفتهم، حتى تمخّض واقعهم الذي نراه بأعيننا، ويكفي أن نُشير أن القرن السابع عشر كان قرن العقل في أوروبا، حيث استُغرق هذا القرن في نقاشاتٍ حول العقل، وماهيّته، وحدوده، ومدى إفادته للمعرفة...، حتى استقرت النظرية المعرفية الغربيّة على موقفٍ من العقل (وإن كان الأصحّ مواقف وليس موقفا واحدا)، وأن القرن الثامن عشر كان قرن السياسة، حيث دارت نقاشاتٍ فلسفيّةٍ بين مختلف الفلاسفة، وبرزت نظريات "العقد الاجتماعي"، و"حالة الطبيعة الأولى"، و"طبيعة البشر"، وغيرها من المباحث، حتى أسفرت هذه النقاشات، في نهاية هذا القرن، عن الثورة الفرنسية، درّة تاج الديمقراطية الأوروبية، كما يحلو للحداثيين العرب تسميتها.

هناك أيضا مشكلة أخرى، ناتجة عن مشكلة "التسطيح العقلي، وهي مشكلةٌ يواجهها أغلب المخلصين من المسلمين، المُنبرين للدفاع عن الإسلام في مواجهة الشبهات التي تعترضه، وما أكثرها في أيامنا، فيُنفقون أعمارهم في محاولة تفنيد هذه الشُّبه، مع أن الواجب أن نهتم ببيان قواعد النظر المعرفي الإسلامي، والتأصيل لبُنية العقل الإسلامي، القادر مع التعامل مع كل الروافد المعرفية التي تردُ إليه، بدل من إنفاق الأعمار في مواجهة الشُّبه، فلو أنفقنا أعمارنا، ومثلها أضعافٌ منها، لما استطعنا الإحاطة بكلّ الشُّبه المعاصرة، لكثرتها وتنوّع مشاربها، فالأجدر الالتفات إلى التأصيل المعرفي الذي يبني حصنا منيعا في نفوس المسلمين، يحول دون اختراق من قِبل الشّبه التي نخرت عقولهم، وإن كان لا بدّ من التعرّض لبعض الشّبه بشكلّ عرضي، إلا أن ذلك لا يجب أن يكون منهج حياتنا الفكريّة والعلمية.

نظرةٌ إلى التاريخ الإسلامي، نرى أن علماء المسلمين البارزين عملوا وفقا لهذه الاستراتيجية المعرفية، وكمثالٍ بارزٍ على ذلك نجد أن الإمام الغزالي، "حجّة الإسلام"، رحمه الله تعالى، والذي كان عصره قريبا من عصرنا من حيث انتشار أهل البِدع، وأصحاب الأفكار المنحرفة، نجد أن في قلب المعمعة هذه اهتمّ بكتابة كتبه التي ينحو فيها منحى التأصيل والبناء المعرفي، ولو أنفق عمره في الردّ على الشبهات، لما استطاع أن يكتب ورقة مما كتب، ولما وصلتنا مؤلفاته التي تصلح كمقدّمة لبناء العقل الإسلامي المتّصل بالوحي، والقادر على التعامل مع مختلف المعارف المعاصرة بالنقد والرد.

لكلّ ما سبق، سأحاول، قبل أن اُلقي الضوء على "النسبية"، وعلى آثارها العملية في المجتمع الإسلامي، سأحاول أن أمهّد بمقدّمة مختصرة جدا، أتعرّض فيها للأسس الفلسفية لـ "النسبية"، مع مقارنتها بالتوجهات الشكّيّة القديمة، ومحاولة بيان العلاقة بينها، قبل أن أنتقل، بعد تكون فكرةٍ عن جذور النسبية عند القارئ الكريم، إلى الإشارة إلى آثار هذه النسبية، التي تسيطر على العقل الحديث، على مجتمعنا الإسلامي، فكريا، وعمليا، وسلوكيا.

على أنني أعترف أن هذه المقدّمة، وما سيتبعها من تسليطٍ للضوء على آثار النسبيّة، هو عملٌ مُختصرٌ قد لا يليق بخطورة هذه القضية، ولكن يكفي أن يكون إشارة إليها، ولو بطريقة مختصرة، تعطي تصورا شاملا وعاما عن المشكلة، على أن أقوم مستقبلا، أو يقوم أخوة أفاضل، باستكمال هذا العمل، فلا نُبالغ لو قلنا إن هذه القضية تستأهل أن تُنفق فيها الساعات والأيام، بل وحتى السنوات، لاستيفاء المعرفة التامة بها، بما يؤهّلنا لتأسيس موقف معرفيّ منها، يتناسب مع تصوراتنا الوجوديّة التي تجد أساسها في وحينا الشريف.

 

النسبية في التاريخ:

منذ نشأة البحث الفلسفي برزت أسئلةٌ ثلاثةٌ أساسيةٌ، اختلف في الإجابة عنها الفلاسفة، وبرزت، تبعا لإجاباتهم عنها، المذاهب الفلسفية المختلفة، وهذه الأسئلة هي:

  1. هل تمكن المعرفة؟
  2. ماذا يمكن أن نعرف؟
  3. كيف يمكن أن نعرف؟

وهذه الأسئلة هي على هذا الترتيب، والإجابة على واحدٍ منها يُلزم المُجيب بموقفٍ من الأسئلة اللاحقة لا محالة، وعن الإجابة عنها نشأت المذاهب الفلسفية عبر التاريخ (على الأقل حتى العصور الحديثة).

وقد انقسم الفلاسفة في الإجابة عن السؤال الأول إلى قسمين (قسمة عقلية وواقعية): قسمٌ قال بأن المعرفة ممكنةٌ، وهذا عندهم بالبداهة، وقسم قال بعدم إمكانها، وهؤلاء هم "السوفسطائية"، الذين أنكروا، تبعا لإنكارهم المعرفة، حقائق الأشياء، ووجودها الخارجي، بل وذهب المغالون منهم إلى إنكار الوجود مطلقا، حتى وجودهم المٌشخّص، ومن الضروري أن نعود للتعريف بهذه الفرقة الفلسفية لالتصاق ذلك بموضوع بحثنا.

أما فيما يخصّ السؤالين الثاني والثالث، فنرى أن الفلاسفة انقسموا إلى قائلين بإمكانية معرفة عالم الحسّ، والعقل، والغيب، وصُنفوا تبعا لذلك إلى فلاسفة مثاليين وعقليين وحسيّين وتجريبيين، و...

 

من هم السوفسطائية؟

لن أخوض بالتعريف اللفظي لـ"سوفسطائية"، وأن "سوفيست" في اليونانية هو المعلم، بل يهمني أن أنتقل إلى الكلام عن أصولهم الفكرية، والظروف التي أدت إليها.

كان السوفسطائيون الأوائل يتباهون بمعرفهم، ويجولون بين الناس ليعلموهم الخطابة والعلوم، وكانوا يتباهون بقدرتهم على إثبات القضية ونقيضها، عبر المغالطات، وأنا أعتقد أن انتشار "الديمقراطية" في المدن اليونانية، وجو النقاشات التي دارت في كنفها، أدى إلى انتشار السوفسطائية، إذ إن اشتراك كل الناس في تقرير السياسات العامة في المجتمع، ودور رأي الأكثرية في تحديدها، دفع الناس إلى الإقبال على تعلّم الأغاليط الفكرية لخداع الآخرين، أو الأكثرية منهم، من غير القادرين على التمييز بين الاستدلالات وبين المغالطات، وإقناعهم بما يراه البعض يصب في مصالحهم الشخصية، فنشط، في هذا الجو، السوفسطائيون الأوائل، ثم ما لبثوا أن تحولوا إلى مذهب فلسفي له أصوله الفكرية والمعرفية.

وقد شكّلت حوارات سقراط، والتي رواها عنه تلميذه أفلاطون، مصدرًا مهما في التعرّف إلى أفكار السوفسطائية، كما أن متكلّمي أهل السنة بيّنوا مذهبهم الذي وصل إليهم، وناقشوا بقاياهم في عصرهم، وانفردوا بتصنيفٍ للسوفسطائية لم يسبقهم إليه أحد، فقسّموهم، بملاحظة أنماط تفكيرهم، إلى ثلاث فرق:

  1. العِنْدِية: ينكرون ثبوت حقائق الأشياء، ويزعمون أنها تابعة للاعتقادات، فالحق هو "عندي"، وكل إنسان يعتقد شيئا فهو حقٌ عنده دون غيره، فصار الحق عندهم تبعا للشخص الذي هو معيار الحق.
  2. العِناديّة: ينكرون حقائق الأشياء، ويزعمون أنها أوهام وخيالات باطلة.
  3. اللاأدريّة: ينكرون العلم بثبوت الشيء ولا ثبوته، ويزعمون أنهم شاكّون، وشاكّون في شكّهم، وهلمّ جرا.

ولو تأملنا الفرقة الثالثة، التي جرّ إليها النقاش، لوجدنا أنها كانت عند القدماء مذهب الشك في كل شيء، حتى في الشك ذاته، ولا يخفى أن هذا المذهب يهدم كل المعارف والعلوم، بل ينفي إمكانية وجودها ابتداء.

كان يمكن لنا أن نكتفي بما أسلفناه بالكلام عن السوفسطائية كمدخلٍ للكلام عن إحدى فرقها، اللاأدرية، لو سلّمنا بأن اللاأدرية المعاصرة "Agnosticism" هي نفسها اللاأدرية القديمة من حيث موقفها من المعرفة، إلا أننا لا نسلّم بذلك، بل نظنّ أن بينهما اختلافا، ولإثبات ذلك، لا بدّ من الكلام عن اللاأدرية المعاصرة، وعلى ضوء ذلك نقارن بينهما.

قبل ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى التغيّر الذي طرأ على المجال المعرفي المعاصر، من قبل الفلاسفة المعاصرين، وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، فيما يخصّ الأسئلة المعرفية الثلاثة، حيث استبدلها بأسئلة ثلاثة هي:

  1. ماذا بوسعي أن أعرف؟
  2. ماذا ينبغي عليّ أن أعمل؟
  3. ماذا يُتاح لي أن أرجو؟

ثم جمعها جميعا في سؤال واحد: ما الإنسان؟، وهو السؤال الذي أسس فيما بعد لعلم "الأنثروبولوجيا".

وتقوم النظرية المعرفية لكانط، تبعا لإجاباته عن هذه الأسئلة، وخصوصا السؤال الأول (إذ الثاني والثالث أخلاقيان أكثر من كونهما معرفيان) على أن المعارف الإنسانية منها ما هو قبلي، وتشكّل "العقل المحض"، ومنها ما هو بعدي مكتسبٌ بالتجربة، وتشكل "العقل العملي، والعلم بالأشياء يكون علما بظواهرها على النحو الذي يدركه الإنسان المشخّص (نسبية الحقيقة من شخص إلى آخر)، وليس علما بحقائقها الثابتة (نفس أمر)، فهذا أمرٌ متعذرٌ، والمعرفة الصحيحة، هو ما اجتمعت فيها المعارف القبلية مع التجرية.

ماذا يعني ما سبق؟ يعني أن العلم، المعرفة النسبية للأشياء، لا يمكن أن يتحقق إلا باجتماع المعارف القبلية مع التجربة، وبالتالي فإن ما لا يخضع للتجربة فليس داخلا في مسمّى العلم، ولا تمكن البرهنة عليه.

هذه، باختصار مخلّ، نظرية كانط المعرفية، ولمّا كانت هذه الأحرف لا تهدف إلى شرح فلسفة كانط، بل تهتم بالنسبية، اكتفيت بهذا القدر من فلسفة كانط، مع الاعتقاد بعدم جواز إغفالها في هذا المقام، لأنني أعتقد أن كانط هو أبو النسبية المعاصرة، وهو الذي أسس لفكر "ما بعد الحداثة".

مما يلزم من نظرية كانط المعرفية، القائلة بأن ما لا يخضع للحسّ والتجربة فهو ليس علما، ولا تمكن البرهنة عليه، مما يلزم من ذلك أن "الدين" ليس علما، ولا تمكن البرهنة عليه (مقولة مألوفة لآذاننا، صدّع بها الحداثيون العرب رؤوسنا، مع جهل أغلبهم، إن لم نقل كلّهم، بأسسها المعرفية الفلسفية)، وبناء عليه انقسم الناس ثلاثة فرق:

  • فرقة ممن لا يقبلون شيئا دون دليل، ولا يتبعون اعتقاداتٍ لا تمكن البرهنة عليها، فنبذوا الدين وصاروا ملحدين.
  • فرقة اعتقدوا بأن الإيمان لا يحتاج إلى دليل، بل إلى قبول، فاعتنقوا دينهم دون دليل أو تفكير، تحت شعار "اقبل المسيح لِيُخلّصك"، فالقبول ابتداءً، ثم أقم الأدلة على المسلّمات الدينيّة.
  • فرقة توقفوا في الحكم على المسائل الميتافيزيقية، فلم يُنكروها، ولم يثبتوها، وهؤلاء الذين نسمّيهم في عصرنا "لاأدريون" (Agnostics).

فما الفرق بين اللاأدريين الأوائل، وبين اللاأدريين المعاصرين؟

الفرق أن اللاأدريين الأوائل كانوا يشكّون في كلّ شيء، حتى في وجودهم، ولا يثبتون أي شيء البتة، فيما أن اللاأدريين المعاصرين يثبتون العلوم التجريبية ومخرجاتها، ويترددون في الإثبات في المسائل الميتافيزيقية، ومنها الدينية، فقط، وجعلوا المعارف، على اختلافاتها، نسبية، أي تابعة لاعتقاد الشخص، لعدم إمكان إقامة الدليل على صحّتها في ذاتها، وهنا يشترك الملحدون مع اللاأدريون، حتى في المعارف العلمية، خاصة أنه عند هؤلاء المعرفة هي فقط للظواهر لا للحقائق، وعليه فإن المعارف كلها نسبية.

مما سبق نستطيع أن نقول إن اللاأدريّين يفترقون عن الملحدين في كونهم يتوقفون في الحكم على المسائل الميتافيزيقية، فلا ينفونها ولا يثبتونها، لعدم إمكان إقامة الأدلة على كليهما، في حين يُنكر الملحدون الميتافيزيقا. ويتفق اللاأدريون مع الملحدين في إثبات المعارف الحسية والتجريبية، مع القول بنسبيّتها، لأنها معرفة بظواهر الأشياء لا بحقائقها.

كل ما ذكرته كان لتبرير الكلام عن "النسبية" باعتبارها الفكرة الأعمّ التي تندرج تحتها اللاأدرية المعاصرة، وغيرها من الأفكار، والتي تستلزم أن نقف عندها، ونبحث في آثارها على المجتمع الإسلامي من حيث الاعتقاد والعمل والسلوك.

والله أعلم وأحكم

 

كتبه: محمد حسين المصري


مقالات متعلّقة