سلسلة "النسبية، وآثارها في المجتمع الإسلامي" (2)

تاريخ الإضافة الأحد 19 أبريل 2020 - 5:26 م    عدد الزيارات 479    التعليقات 0     القسم منوع

        


الحلقة الثانية

نقاطٌ مستفادةٌ من الحلقة الأولى:

تكلّمت في الحلقة الأولى من هذه السلسلة بشكلٍ مختصرٍ جدًا عن الجذور التاريخية والفلسفية لـ"النسبية"، فليس المقصود من هذه السلسلة بيان الأسس الفلسفية لـ"النسبية"، بل الهدف هو الاهتمام بالآثار المترتّبة عليها في مجتمعنا الإسلامي، وبيان كيف تأثرت معارفنا وأعمالنا بها.

وفي هذه الحلقة سأتكلم عن آثار النسبية على "الإيمان الإسلامي"، من حيث تصوّره، على أن نؤجّل الكلام على ما يستتبع هذه النقطة إلى حلقاتٍ أخرى.

ولتسهيل ترابط الأفكار بين الحلقات، يحسُن بي أن أضع هنا أهم النقاط التي توصّلت إليها في الحلقة الأولى، لأؤسّس عليها كلامي في هذه الحلقة، فمما توصّلت إليه من أصول النسبية:

  • ما لا يخضع للحسّ والتجربة فهو ليس علما.
  • ما يمكن أن نعرفه هو ظواهر الأشياء، إذ أن معرفة ماهياتها وحقائقها متعذّر.
  • المسائل الميتافيزيقية (أي الغيبية)، ومنها "الدين"، ليست علما، إذ لا تمكن البرهنة عليها حسّيّا أو بالتجربة.

وينتج عن هذه النقاط النتيجة الأوضح للنسبية، حيث إنها تعني، وبكلّ بساطة، تكافؤ وجهات النظر في غير المسائل الحسّيّة والتجريبيّة، بحيث لا يكون لإحداها ترجيح على الأخرى، فالترجيح لا يكون إلا بمرجّحٍ، وطالما أن هذه المسائل لا يمكن التدليل عليها، فلا يمكن الحكم بأحقية إحداها على الأخرى، وهذا هو مسوّغ التكافؤ.

كما يجب أن أُبيّن الفرق، ولو بكلمات، بين النسبيّة المعاصرة، وبين نظيرتها عند قدامى اليونان، فبناء على ما أسلفت في الحلقة الأولى، فإن النسبية عند القدامى هي نفي الوجود الخارجي للحق، وهذه من أصول السوفسطائية، أما النسبية المعاصرة فهي نفي إمكانية معرفة الحق، أي معرفة ماهية الشيء (نفس أمر)، بل ما نعرفه هو ظواهره (Phenomena)، فالحق له وجود خارجي، ولكن إمكان الوصول إلى كنهه متعذّر.

هذه كلماتٌ لا بدّ منها قبل الانتقال إلى الكلام عن آثار النسبية على "الإيمان" الإسلامي.

آثار "النسبية" على "الإيمان الإسلامي":

بدايةً لا بدّ من القول إن البحث في آثار "النسبية" على "الإيمان" الإسلامي، يعني وبكلّ بساطة، البحث في أثر تسلّل النسبية إلى أفكارنا في المجتمعات الإسلامية، وكيف أثّر ذلك على إيماننا كمسلمين، أو، بطريقة أكثر دقة، على إيمان من اعتقد بأفكار النسبية من المسلمين.

والإيمان الإسلامي يتمتّع بخصائص عدة، أهمها:

  • كونه تصديقا جازمًا لا يحتمل النقيض.
  • كونه استدلاليا، بمعنى أنه ليس إيمانا دوغماتيا بلا دليل، بل هو إيمانٌ قائمٌ على أدلّة عقليّة ابتداءً.
  • هو اعتقادٌ بأن النظرة الإيمانية الإسلامية عن الوجود، وجود العالم، والخالق، وصفاته، وأقعاله، هذه النظرة إلى هذه المسائل هي الحقّ المطلق الذي يعبّر عن حقيقة الأمر كما هو في الوجود الخارجي، وبالتالي فإن أي رؤية أخرى مغايرة هي انحرافٌ عن جادة الحق، فهذه هي خصائص إيماننا كمسلمين، ولوازم هذا الإيمان.

بناءً على ما سبق، سننتقل لبحث الآثار المباشرة للنسبية على الإيمان، والتسلسل الفكري الصحيح يفرض أن نبدأ من الفكرة الأصلية للإيمان، أي "الإله".

"النسبية" و"الإله":

إن إثبات وجود الإله هي قضية أساسية في الأديان المختلفة، وقد قام المتكلمون واللاهوتيون من مختلف الأديان بنصب الأدلة على وجود إله خالق لهذا الوجود، واختلفت مسالكهم في هذه القضية، وقد قام متكلّمو أهل السنة، من الأشاعرة والماتريدية، بوضع قيودٍ منطقية على استدلالاتهم على وجود الإله الخالق لهذا الكون، فلم يقبلوا الأدلة اللّمّية (الاستدلال على المعلول بالعلّة) لأن فيها مصادرةٌ على المطلوب، فرفضوا الدليل الأنطولوجي للقديس أنسلم، والذي استخدمه أيضا ديكارت، وأعلنوا أن ما يصلح للنظر في وجود الإله هو الدليل الإنّي (الاستدل على العلة بالمعلول) القائم على النظر في المحسوسات ثم منها إلى الإله، أي الانتقال في البناء الاستدلالي من الضروري إلى النظري، وهذا أمتن من حيث الاستدلال المنطقي.

كما اشترطوا على أنفسهم أن يكون الدليل برهانيا وليس خطابيا أو إقناعيًّا، فلذلك اعتبروا دليل النظام دليلا إقناعيا، وحتى دليل الحدوث لم يكتفوا به، بل انتقدوه في كتبهم، واعتبروا أن دليل الإمكان، بملاحظة ماهية الممكن، وقانون السببيّة، هو الدليل الذي يوصل بالضرورة إلى وجود خالق، فاستدلالهم عقلي إنّي، باعتبار أن الذات المقدّسة غير محسوسة، بل يستحيل عليها ذلك.

هذه نظرة سريعة إلى استدلالات المتكلّمين، دون الخوض والتوسّع في نظرهم المعرفي، لنفهم طبيعة الإيمان عندهم، ونقارن بينها وبين الإيمان المُترتّب على النظرة النسبية.

إن أول آثار النسبيّة على هذا الإيمان هو "عدم القدرة على التدليل على الإله ووجوده وصفاته"، لماذا؟ لأنه كما أسلفنا، فإن النسبيّة لا تعتبر ما ليس محسوسا مُبرهنا، أو تمكن البرهنة عليه، أي إن وجود "إله" بهذه الصفات هو أمر لا يمكن إثباته "علميًّا"، فهو مما لا يمكن نصب الأدلة عليه، وتبقى مسألة الإيمان بوجوده أمرا عائدًا إلى اعتقاد الشخص ذاته، دون إمكانية إقامة الدليل على صحة ما ذهب إليه فيما يخص وجود "إله".

إن وجود إله واحد، متّصف بكل كمال، ومنزّه عن كلّ نقصان، ليس بأولى وأرجح، في الفكر النسبي، من إله مكوّن من 3 أقانيم، أو أقنوم من ثلاثة أقانيم، ولا من إله يخدع ويكذب ويتصارع مع الأنبياء فيغلبونه، ويتعلم من الحاخامات، ويلعب مع الحيتان، ولا من إله يزني ويقتل، ولا من أي نظرة إلى الموجد للكون، بل ولا أرجح ممن يقول بعدم وجود إله، فالكلّ لا يملك دليلا علميا مقبولا على مدّعاه، ومع عدم إمكان الدليل يسقط إمكان الترجيح، فيبقى موضوع الالتزام بنظرة محدّدة إلى الإله وصفاته هو أمر أخلاقي يلتزم به الإنسان بنفسه (الأخلاق الكانطية) دون أن يمكن له أن يُلزم أحدا بها، أو أن يقيم الدليل على صحّتها.

آثار النسبية على الأديان:

إن فكرة الأديان هي عبارة عن منظومة من التشريعات والضوابط التي هي فرع عن الإيمان بالإله وصفاته، وإرساله الرسل، أو عدم إرساله، فحجر الأساس الذي تقوم عليه الأديان هو "الإله"، وتصوّره أساس في تصوّر الدّين الحق، لأنه فرعٌ عن تصوّره، ولما كانت الآراء متخاصمة، في نقطة تتحدّث عن وجود حقيقي خارجي للإله (عند من يقولون بوجود إله)، وكانت متناقضة فيما بينها، فمن الضروري أن لا تكون كلها صادقة، وبناءً على القواعد المنطقية، وعلى تصوّر الإله وصفاته، يمكن الترجيح بين مختلف الاعتقادات والأديان برفض التصوّرات التي يستحيل إثباتها للإله، أي يلزم عن إثباتها للإله محالٌ عقلي، وبإثبات ما يجب له، وذلك هو طريق الترجيح بين الأديان.

هذه نظرة أغلب الأديان إلى معتقداتها، أما في النسبيّة فلا يمكن الترجيح علميًّا بين الأديان، باعتبار أن أصل نشأتها مرتبطٌ بالتصوّر الإلهي، وإرسال الرسل، ووجود ثوابٍ وعقابٍ أخروي، وغيرها من الأمور غير المحسوسة في عالمنا،  ولما كان هذه التصوّرات لموجودات ميتافيزيقية لا تمكن البرهنة على وجودها وصفاتها علميًّا فكان من الطبيعي أن ما بُني على تلك الأفكار، أي الأديان، لا تمكن البرهنة عليها علميًّا، وبذلك، فهي متساويةٌ فيما بينها، ولا أرجحية لواحدٍ منها على الآخر، ويبقى قرار الانتساب لدينٍ دون آخر هو خيارٌ شخصيٌّ لا يتعدي إلى غير الذات المعتقدة.

هذا الأمر بدأنا نراه ينتشر بطريقة واسعة في مجتمعاتنا، فكم سمعنا أناسًا يتكلمون عن أن ديننا حقٌّ بالنسبة إلينا فقط، فنحن نرى ديننا حقا كما يرى كل شخصٍ دينه، وما يعتقده، حقا، ويرفضون النقاشات حول صحّة الأديان من منطلق أنه لا تمكن البرهنة على صحّة دين دون آخر، أو ترجيح معتقدٍ على آخر، بناءً على الأفكار النسبية وتمكّنها في نفوس هؤلاء، وهذا مما يتناقض مع أساسيات ديننا، كما بيّنا في بداية هذا المقال، حيث إن من مستلزمات إسلامنا الاعتقاد أن ديننا هو الحق وما سواه يتعارض مع الحق الذي له وجود خارجي ثابت.

ومن الأمور التي انتشرت في مجتمعاتنا الإسلامية، وظهرت بكثرة في السنوات الأخيرة، وهي فرعٌ عن تسرّب هذه الأفكار إلى مجتمعاتنا، هي فكرة "التعدّدية الدينية"، والتعدّدية هنا ليست تعني الوجود الحقيقي لأديان متعدّدة في المجتمع، بل تعني "التعدّدية" هنا أن كلّ هذه الأديان هي عبارة عن تجلّيات مختلفة لحقيقة واحدة، ولكن في عصور مختلفة، فكلّها متساوية من حيث الحكم والأحقية، أي لا تمكن البرهنة على أيّها، فلا ترجيح بينها.

كم سمعنا بعض مدّعي الثقافة في مجتمعاتنا يتكلمون عن أن ما يدعونها "الأديان السماوية الثلاثة" تنبع من قبس واحد، وهي دين واحد بتجلّيات مختلفة، وهم لا يغفلون عن أن بينها تناقضات يستحيل معها أن تتوافق فيما بينها، ولا يغفلون عن استحالة أن تُعبّر عن حقيقة خارجية واحدة، ولكن لاعتقادهم أن هذه الأديان راجعة إلى أمور ميتافيزيقية لا تخضع للحسّ والتجربة، وهي بالتالي غير مُبرهن عليها، فتستوي عندهم من حيث عدم إمكانية ترجيح أحدها على الآخر.

هذا ما أردت كتابته في هذه الحلقة، وهي بعض المسائل المتعلّقة بآثار النسبية على المجتمع الإسلامي وأفكاره، ولا أدّعي أنني استقصيت كل الآثار على هذا المستوى، بل لم أُلزم نفسي ابتداءً بذلك، فاستقصاء كل الآثار يحتاج إلى جهود متعذّرة على شخص واحد، وحسبي أن أُشير إلى بعضها.

في الحلقة القادمة سأتكلّم، إن شاء الله تعالى، على آثار النسبية على الأمور العملية، وأبدأ بمسألة "التكفير" التي أُثيرت حولها النقاشات الكثيرة، وما زال اللغط فيها حتى يومنا هذا.

والله أعلم وأحكم

كتبه: محمد حسين المصري


مقالات متعلّقة