بحثٌ في "فلسفة التكفير"

تاريخ الإضافة الأحد 10 مايو 2020 - 7:37 م    عدد الزيارات 54    التعليقات 0     القسم منوع

        


          شاع في السنوات القليلة الماضية نقاش كبيرٌ حول موضوع "التكفير"، خصوصا بعد الحراك العربي الذي عُرف باسم "الربيع العربي"، والاضطرابات التي أعقبته في الدول التي دخلها، وبروز صراعات بين الشعوب والسلطات السياسية، أو بين الشعوب أنفسها، ونشأة جماعاتٍ "جهادية" ادّعت أنها تنطلق من منطلقاتٍ دينيةٍ، تقاتل كلّ من خالفها في الفكر الذي تحمله، وتبرر قتالها وقتلها لهم بأنها تسعى إلى إقامة دولة إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية.

          وفي مقابل هذه النزعة، برزت نزعة أخرى تهاجم فكرة "التكفير" باعتبارها مبرّرا لهذه الجماعات في استخدام العنف تحت ستارٍ ديني، وتمادى أصحاب هذه النزعة، وأغلبهم من الحداثيين العرب، في الحمل على التكفير، تحت هذه الذريعة، واستخدموا كل وسائل الإعلام لهذا الغرض، حتى أضحى مصطلح "التكفير" مصطلحًا مشوّهًا في عقول الناس، يتلازم عقلا مع القتل والذبح والاعتداء على الآمنين. وهذه البروباغاندا، وإن كانت منطلقة من الواقع الذي عاشته الدول العربية، إلا أن الدعوات إلى إلغاء "التكفير" لها أُسسٌ فكرية، ومنطلقات فلسفية لا علاقة لها بهذا الواقع الذي تمّ استخدامه لتبرير هذه الدعوات.

          سأناقش في هذا البحث موضوع "التكفير" نقاشًا فلسفيا-عقليا يبحث في ارتباط "التكفير" بالإنسان الواعي الحرّ، وفي إمكانية انفكاك "التكفير" عن الوعي البشري، وقيمة انفكاكه معرفيًا، ثم أُعرّج على بعض النقاط المتعلّقة بالتكفير في الإسلام دون غيره من الأفكار البشرية.

          وسأقوم في كلّ فقرة أكتبها بالإشارة في آخرها إلى النتيجة التي توصلت إليها فيها، وهذه النتيجة ستكون نفسها مقدّمة في فقرات أُخر، أستخدمها للاستدلال بها على نتيجة أخرى، وهكذا، حتى يكون البناء في هذه المقالة بناءً منطقيًا متسلسل الأفكار مترابطها.

 

        الحرية والاعتقاد:

          إذا كان الاعتقاد هو الإيمان بشيء إيمانا جازما، وهو يشمل نظرة الإنسان إلى الوجود والقيم والمعرفة، فأنا أدّعي أن كل إنسان حرّ فهو معتقدٌّ بالضرورة، ولا يمكن للحرية أن تتحقّق، في حدّها الأدنى، إلا من إنسان يملك حدًّا أدنى من الحرية، فما بيان هذا الادّعاء؟ وما الدليل عليه؟

          بدايةً لا بدّ من القول إن الحدّ الأدنى من الحرّيّة الإنسانية هو أمر ثابتٌ بالبداهة، ولا يحتاج إلى تدليل، فحتى من فقدوا حرّيتهم بالمعنى العام، ممن هم معتقلون في سجون، أو يعيشون في نظمٍ شموليةٍ لا تتيح أي حرية عامة، حتى هؤلاء يملكون حدًّا أدنى من الحرية على المستوى الشخصي، ولا يُنكر ذلك إلا عاقل، فكلنا ندرك بالبداهة قدرتنا على النظر إلى شيء ومتابعته بأنظارنا دون غيره من الأشياء، وكلنا يدرك قدرتنا على الاختيار بين طعام وآخر، أو بين أكل طعام وبين عدمه، أو بين شرب شيء وبين عدمه...إلى آخر الأمور التي ندرك قدرتنا على أن نختار فعلها من عدمه.

          والحرّية هي القدرة على الاختيار بين ممكنات متاحة، فإذا خرجت عن كونها ممكنة فقدنا حرّيتنا فيها، وقمع الحرّيات ما هو إلا تضييقٌ لرقعة الممكنات، وكلما ضاقت هذه الرقعة كلما تقلّصت دائرة الحرية، فالأنظمة الشمولية تقلّص إمكان تدخل الناس في السياسة العامة، وهذا هو عينه انعدام الحرية السياسية، والسجن يعدم إمكان الاختيار في التنقل للمسجون، فهو عدمٌ للحرية من هذا الجانب، مع بقاء جوانب أخرى متاحة للسجين، فإذا، كلّ ما هو ممكن عادة، ومتاح، يدخل ضمن دائرة حرّياتنا في فعله أو في عدم فعله.

          فإذا كانت الحرّية هي القدرة على الاختيار بين ممكنات مُتاحة، فاختيار ممكن دون آخر، أي ترجيحه على ممكن آخر، يكون بناءً على ماذا؟ فالترجيح لا بدّ له من مرجّح، وهذه قضية عقلية بديهية، فما هو الذي رجّح للمُختار ممكنًا دون آخر؟ إن الإنسان الحرّ يُرجّح فقط بناءً على تصوّراته الوجودية والمعرفية والقيمية، فالمرجّح لا بدّ أن يكون ذاتيًا داخليًا، لأن التأثير الخارجي على اختيار الإنسان هو إجبار، وهو تقليص للإمكان، وهو متناقض مع الاختيار الحرّ الذي هو مجال بحثنا، وحتى لا يكون ظاهر كلامي مصادرة على المطلوب سأقوم بالتوسّع قليلا في هذه النقطة.

          إن الإنسان الحرّ يُرجح بمُرجّح داخلي ذاتي بين ممكنات متاحة له، وهذا هو معنى الحرّية، فما هو هذا المُرجّح؟ هذا المُرجّح لا بدّ أن يكون عائدًا إلى تصوّر خاص بالإنسان المُختار، وهذا التصوّر هو الذي رجّح له أحد الاختيارات المتاحة، فالإنسان الذي اختار عن الطاولة صنفًا من الطعام دون غيره من الأصناف الموجودة، إنما رجّحه لأنه أطيب إلى نفسه من غيره (تصوّر قيمي)، أو لفائدته أكثر من غيره (تصوّر قيمي)، أو لأن البدء به تترتب عليه فائدة دينية (البدء بالتمر عند الإفطار للمسلمين) (تصوّر وجودي).

          أيضًا، فإن الإنسان الذي رجح عدم وجود إله لهذا الكون (تصوّر وجودي) بحجة أنه غير محسوس (تصوّر معرفي) لا يؤمن بالحساب الأخروي (تصور وجودي) فلا يرى نفسه ملزما ببعض الظوابط الأخلاقية (تصوّر قيمي)، وفي المقابل، فإن الإنسان الذي يؤمن بالمسيح ابنا لله (تصوّر وجودي) يرى أن الكتاب المقدس فسر الكون ونشأته، فهو مصدر معرفي (تصور معرفي)، ويجب عليه أن يلتزم بالتعاليم التي جاءت فيه (تصور قيمي).

          وقس على ذلك كل الأفكار البشرية، ولو نظرنا إلى حقيقة هذه السلوكيات لوجدنا أنها كلها من ضمن الممكنات المتاحة لهم، فللإنسان أن يختار الإيمان بإله واحد، أو بألوهية المسيح، أو بعدم وجود إله، أو... ويترتّب على هذا الإيمان سلسلة أخرى من المُرجّحات بين ممكنات أخرى ترجّح بعضها نتيجة تصوّرات مختلفة، فهناك تلازم بين هذه الاختيارات وبين التصورات الوجودية والمعرفية والقيمية، والتي تُشكّل بمُجملها "اعتقاد الإنسان"، أي أن هناك تلازمًا بين الحرية وبين الاعتقاد، والإنسان الذي لا يعتقد شيئا هو الجثة الجامدة التي فارقتها روحها، وهي معدومة الاختيار كما نعرف.

          وطالما كان الاعتقاد هو مسوّغ الاختيار بين الممكنات المتاحة، وهو الذي يُرجّح ممكنًا منها دون آخر، فإذًا هناك تلازمٌ عقليٌ بين الحريّة والاعتقاد، وطالما أن جميع البشر يملكون الحد الأدنى من الحرية في الاختيار، ولو في مسألة واحدة، وحتى ولو بالقوة، فيلزم من ذلك أن كلّ إنسان لا بدّ وأن يكون معتقدًا، فهذه حقيقة منطقية لا ينفك عنها الإنسان أبدًا.

          الخلاصة: هناك تلازم بين الحرّية وبين الاعتقاد، ولما كان البشر كلهم يملكون حدًّا أدنى من الحرّية بالبداهة، لا ينفكون عنها، فهم لا ينفكون عن الاعتقاد أبدا، بغض النظر عن ماهية الاعتقاد.

 

        ما هو "التكفير"؟

          جرت عادة المتكلّمين عن التكفير بالكلام عن المعنى اللغوي للتكفير والمعنى الاصطلاحي عند علماء المسلمين، ولكن لما كان بحثي هذا ليس بحثًا في المجال الإسلامي، بل في المجال الفكري الإنساني العام، فسأقتصر على المعنى اللغوي للتكفير، وأحلّله لمعرفة مدلوله داخل إطار الفكر البشري، وارتباطه بالاعتقاد.

          التكفير لغة على وزن تفعيل، مشتق من المصدر كفر، فلا بدّ من الرجوع إلى المعنى المصدري لمعرفته، ثم الانتقال منه إلى معنى "التكفير".

          الكفر لغة هو الستر والغطاء،  كَفَرَ الشَّيْءَ : سَتَرَهُ، غَطَّاهُ، وكَفَرَ اللَّيْلُ الْحُقُولَ : غَطَّاهَا بِظُلْمَتِهِ وَسَوَادِهِ، وكَفَرَ الْجَهْلُ عَلَى عِلْمِهِ : غَطَّاهُ، وكَفَرَ الرَّجُلُ :لم يؤمن، أي أنكر الإيمان. فلو حلّلنا معنى الكفر في اللغة لوجدنا أنه يدور على معنى التغطية والستر، ولو أردنا أن نُطبّق هذا المعنى في مجال الأفكار لوجدنا أنه إنكار الأفكار، ففي المجال الفكري الكُفر هو الإنكار، إنكار فكرةٍ أو اعتقادٍ ما، وفيه معنى التغطية على هذا الفكر وعدم الاعتراف به.

          فإذا كان الكفر هو الإنكار، فالتكفير، بمجرّد الاشتقاق اللغوي، هو حمل الناس على الكفر، أي على إنكار اعتقاد معيّن، ولكن ليس هذا هو المعنى المُتداول للتكفير، بل المدلول التداولي للفظ "التكفير" هو تصنيف إنسانٍ بأنه ينكر اعتقادًا ما، أي القول بأنه لا يؤمن بهذا الاعتقاد، أيًّا كان هذا الاعتقاد، فهو أمرٌ نسبيّ بالإضافة إلى اعتقاد معيّن، أي أنه  كافرٌ بالنسبة إلى اعتقاد بعينه وليس مطلقًا.

          الخلاصة: الكفر لغةً في مجال الأفكار هو الإنكار، و"التكفير" هو الحكم على إنسان، أو أكثر، بأنه يُنكر اعتقادًا ما، وهو حكمٌ نسبي مرتبطٌ باعتقادٍ معيّن.

 

        ماهية الاعتقاد:

          ليس مقصودي هنا بيان معنى الاعتقاد لغة أو اصطلاحا، فهذا أمرٌ أشرت إلى الحدّ الأدنى منه (التصور الشامل للوجود والمعرفة والقيم)، وهو ما يلزمني في مقالي، بل المقصود القول إن لكلّ اعتقاد معيّن ماهية، وخصائص ذاتية، داخلة في تعريف هذا الاعتقاد، بحيث إن استبعاد أحد هذه الخصائص يُخرج الاعتقاد عن ماهيّته، ويحيله إلى اعتقادٍ آخر غير الأول. وعادةً ما تكون هذه الخصائص الذاتية قطعية داخل كلّ اعتقاد، ومعلومةً ضرورةً لأتباعه ومعتقديه، بحيث تُشكّل الأُطر الأساسية المُحدّدة لأفكارهم.

          وللتفصيل في هذا الكلام أقول: إن عدم وجود إله خالقٍ لهذا الكون هي خصيصة ذاتية من خصائص الإلحاد، لا تنفك عنه، فلو قال إنسانٌ ما إنه ملحد، فيلزم من ذلك بأنه لا يعتقد بوجود إله للكون، لأن ذلك من معرّفات الإلحاد، فلو ادّعى أنه ملحدٌ ولكنه يقول بإله خالقٍ للكون، فقد خرج بذلك عن كونه ملحدًا ولو ادّعى ذلك.

          وقياسًا على المثال السابق، لو ادّعى إنسانٌ أنه ديمقراطي، ولكنه يؤمن بنظرية الحزب الأوحد الحاكم، أو بأن الانتخابات النيابية هي إشراك للغوغاء في تقرير السياسة، فهو ليس ديمقراطيًا ولو ادّعى ذلك، لأنه "أنكر" خصيصة ذاتية داخلة في تعريف ماهية الديمقراطية. ولو ادّعى إنسانٌ أنه ليبرالي، ولكنّه يؤمن بضرورة تملّك الدولة لكلّ وسائل الإنتاج وإدارتها، لكان ردّ الليبراليين عليه بأنه ليس ليبراليًا لأنه يُنكر خصيصة ذاتية داخلة في تعريف ماهية الليبرالية، وهكذا في كلّ فكرٍ أو اعتقاد يعتقده البشر، فالمُحدّد للاعتقاد ليس ادّعاء الفرد ذاته، بل أفكاره التي يؤمن بها، لأن ماهية الاعتقاد متوقفة على توافر ذاتياته وليس على ادّعاء المُعتقد.

          الخلاصة: كل اعتقاد له خصائص ذاتية داخلة في تعريف ماهيته، واستبعاد واحدة منها هو تحويل للاعتقاد عن ذاته إلى اعتقاد آخر مغاير كليا، والمعتبر في ذلك ما يعتقده الإنسان لا ما يدّعيه.

 

        "التكفير" على ضوء ما سبق:

          ذكرت سابقا أن الإنسان، بكونه حرًّا، لا ينفك عن الاعتقاد أبدا، وأن لكلّ اعتقادٍ خصائص ذاتية داخلة في تعريف ماهيّته، وأن نقص أو استبعاد أحدها يؤدي إلى نقض ذلك الاعتقاد، وهو ما سميناه بالكفر، فما هو "التكفير" من الناحية المعرفية؟

          إذا كان كل إنسان يؤمن باعتقادٍ قائمٍ على أُسس ذاتية، فمن المنطقي لكلّ إنسان أن يقول بأن كلّ من أنكر أساسًا من هذه الأسس فهو منكرٌ للاعتقاد ذاته، وبالتالي فهو كافرٌ بهذا الاعتقاد، وهذه نتيجةٌ منطقية يقتضيها التسلسل المنطقي للأفكار.

          أيضًا، فإننا لو نظرنا إلى العالم لوجدنا اختلافًا كبيرًا في الأفكار والمعتقدات، وهذا أمرٌ لا يُنكره عاقل، وكثيرٌ من هذه الاعتقادات يتضادّ مع غيره تضادًّا يستحيل معه الجمع بينها، ولذلك فمن المنطقي القول إن كل اعتقاد هو كفر بالاعتقاد المضاد له، وأن المعتقد لواحد منها هو كافر بكل ما يضادّ معتقده، كما أن من يعتقدون ما يتضادّ مع معتقده هم كافرون بمعتقده، بل إن ذلك هو الموقف الذي يقتضيه المنطق السليم، وعدم التكفير في هذه الحالة يُعتبر خطأً معرفيًا كبيرًا جدًا، لأن فيه تصحيح المتضادّات كلّها والجمع بينها، وهذا مستحيل منطقيا.

          من هنا نُدرك الخطأ المعرفي للنسبية المعاصرة التي يرفض معتنقوها "التكفير"، وهم لا ينكرون ذلك بسبب أن كلّ معتقد فهو حقّ في ذاته فقط، كما يدّعي البعض، بل لأن القضايا الماورائية عند هؤلاء، الوجودية والمعرفية والقيمية، لا يمكن التدليل عليها علميا، وبالتالي فلا فائدة من التكفير في حالة عدم إمكانية إثبات أحقية الفكر والاعتقاد في ذاته، حيث إنه نظرية ترجيحية عند القائل بها، وليست تعبيرا عن الوجود الخارجي الحق، أي أن الإيمان عند هؤلاء هو إيمان ترجيحي ترجّح على غيره عند المؤمن به، دون إمكانية إثبات مطابقته للواقع، وهذا موقف سوفسطائي مغالط يتناقض مع منطق العقلاء في إمكانية إثبات المطابقة مع الوجود الخارجي في ما قام الدليل عليه على ذلك.

          وإذا كان التكفير ليس أكثر من عملية تصنيف للاعتقادات بالنسبة إلى اعتقاد ما، فهو بالضرورة ليس شتيمة أو انتقاصا من قدر الإنسان أو من كرامته، فليس في القول عن إنسان أنكر خصيصة ذاتية لاعتقاد ما بأنه كافر بهذا الاعتقاد، ليس في تصنيفه كافرًا بهذا الاعتقاد أي منقصة أو اعتداء، بل إن العاقل الواعي لما يعتقد يعتبر وسمه بالكفر بما يتضادّ مع إيمانه مفخرةً وشهادةً له بأنه صادقًا في اعتقاده، ولا يجب أن يتبادر إلى ذهنه بأن تكفيره من قبل من تضادّ معه بالاعتقاد منقصة في حقه، وإلا تناقض هو مع نفسه، أي إن اعتقاده الذاتي، والذي هو نتيجة قناعته الشخصية النابعة عن تفكيره وحريته، هو موقف أخلاقي حرّ، وهو يعتقد أنه الحق المطابق للواقع الخارجي، وبالتالي فاعتبار تكفيره من قبل المخالفين له شتيمة هو تناقض مع ذاته.

          كما أن من يُكفّر إنسانًا فهو لا يشتمه، بل هو موقف تأكيدي منه لما يعتقد به، وملخصه أن "ما يعتقد به المخالف يتناقض مع خصيصة ذاتية أو أكثر مما أعتقد به"، هذا هو التكفير باختصار، وليس فيه منقصةٌ أو شتيمة، بل فيه مسايرة منطقية لما يعتقده الإنسان الحرّ المستقيم.

          فلو قال إنسانٌ يهوديٌّ إن الملحد كافرٌ بديني، فهذه ليست شتيمة للملحد، بل هو تصنيف لاعتقاد الملحد بأنه يتناقض مع الخصائص الذاتية (أو أحدها على الأقل) للاعتقاد اليهودي، وكذلك لو قال البوذي عن الكاثوليكي بأنه كافرٌ بالبوذية، فليس ذلك شتيمة له، وهكذا في كل الاعتقادات الأخرى للبشر.

          الخلاصة: "التكفير" ليس شتيمة أو منقصة، بل هو تصنيفٌ للاعتقادات بالنسبة إلى اعتقاد معيّن، وهو أمر لازمٌ للإنسان، وعدم التكفير هو خطأٌ معرفيٌ راجع إلى السفسطة.

 

          كان ينبغي أن ينتهي بحثي عند هذا الحدّ، فقد استوفيت النقاش المبدأي العام في فلسفة التكفير، وأنه نتيجة منطقية للاعتقاد الذي هو لازمٌ من لوازم الحرية الإنسانية، وقد ناقشت بطريقةٍ عامة غير منطلقةٍ من تصوّر عقائديً ما، بل من منطلق المنطق الإنساني السليم، ولكن لما كنت مسلمًا مؤمنًا بما جاء به حضرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى، معتقدًا كفرَ كلّ من خالف اعتقادي في أحد خصائصه الذاتية، رأيت من المفيد أن أذكر بعض الشُّبه التي وردت على "التكفير" في ديننا، وأحاول أن أُبيّن، ما استطعت إلى ذلك سبيلا، المغالطات المنطقية والمعرفية في هذه الشُّبه، وأناقشها نقاشًا منطقيًا على ضوء ما سبق، وبنفس المنهجية.

          وسألتفت إلى شُبهتين اثنتين، شبهة كون التكفير في الإسلام إهانة، وشبهة التلازم في الإسلام بين الكفر والقتل، لأنهما أكثر ما يُثيره الحداثيون، وخصوصًا العرب منهم، في وجه المسلمين المعاصرين، ولكن من المفيد قبل ذلك بيان الخصائص الذاتية للإسلام، وضوابط التكفير فيه.

 

        الخصائص الذاتية للإسلام، وضوابط الكفر:

          ذكرنا فيما سبق أن لكلّ اعتقادٍ خصائص ذاتية داخلة في تعريف هذا الاعتقاد، بحيث إن استبعاد أحدها تحويلٌ لماهية الاعتقاد إلى اعتقاد آخر، فما هي الخصائص الذاتية للإسلام؟

          إن الخصائص الذاتية للاعتقاد الإسلامي، أو أركان هذا الاعتقاد، هي ستة: الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرّه، بحيث إن إنكار أيّها يؤدي إلى الخروج عن الاعتقاد الإسلامي.

          إلا أن الإيمان بها يقتضي منطقيا أمورا أُخر، فإيماننا بالله تعالى أنه إله (الإيمان بالله)، وأنه أرسل نبيه محمد (الإيمان برسله)، وأوحى إليه عبر الملك جبريل (الإيمان بملائكته)،  كتابًا (الإيمان بكتبه)، يُخبرنا بوجود يوم آخر (الإيمان باليوم الآخر)، وبأن الله تعالى هو الفاعل الحقيقي الذي قدّر الأمور منذ الأزل (الإيمان بالقدر خيره وشره)، إن هذا الإيمان المتكامل يفرض على من اعتقده أن يُصدّق النبي صلى الله عليه وسلّم فيما جاء به، وأمر به، مبلغًا عن ربّه سبحانه وتعالى، وردّ ذلك قائمٌ مقام تكذيب النبي أو الكتاب، أو ردّ أمر الله تعالى، وهو يتناقض مع اللازم البيّن للاعتقاد بأركان الإيمان الإسلامي، ونابعٌ من خلل في الإيمان بأحد هذه الأركان، وهو كفرٌ كما أسلفنا.

          ولما كان الزمان قد تطاول بيننا وبين زمن النبوة الشريف، ودخل الاحتمال في نقل بعض الأخبار النبوية، فكان من المنطقي أن لا يكون أيّ ردٍّ لأي خبرٍ أو أمرٍ نبوي هو كفر، وذلك لتطرّق الاحتمال إليها، أي الاحتمال إلى أن يكون هذا الأمر قد صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فقد وضع علماؤنا الأوائل، وفي أزمنة متقدّمة جدًا، معايير منطقية لتقويم مدى ثبوت الأخبار إلى حضرة النبي، وصنفوها إلى ما ثبت قطعًا (تواتر عنه)، وما ثبت ظنًا (آحاد).

          وأيضًا، لما كان النبي صلى الله عليه وسلّم عربيًّا أُوحي إليه بكتاب عربي مبين، واللغة العربية فيها ألفاظًا تحتمل معانيًا غير المتبادر منها ظاهرًا، فكان ردّ وجه من الأوجه التي تحتملها ألفاظ الأمر أو الخبر النبوي، وقبول وجه آخر تحتملها احتمالا صحيحا ليس تكذيبًا للحضرة النبوية، بل يدخل في الاجتهاد لتعيين المُراد الرباني في الأمر، وهو ليس ردًّا كما هو واضح.

          ولذلك، فإن التكذيب للحضرة النبوية الذي يستلزم الكفر بالإسلام هو ردّ الخبر أو الأمر النبوي الذي تيقّنّا ثبوتهما إلى الحضرة النبوية (المتواتر)، وكانت ألفاظهما محكمةً لا تحتمل الضدّ لغةً، وهو ما يسمّيه الأصوليون "الدليل القطعي" (قطعي الثبوت، قطعي الدلالة)، فمن أنكر هذا الدليل كان كافرًا بالإسلام، لأن الاحتمال قد انتفى فيه، فكان ردّه تكذيب للإيمان بواحد أو بأكثر من الأركان الستة المذكورة آنفًا.

          زيادة على ما سبق، فإن من المنطق أن يكون الردّ لأحد أركان الإيمان قد صدّر عن الإنسان بكامل إرادته، بما يعبّر عن اعتقاده الحرّ، حتى يكون خروجًا عن الإسلام (كفرٌ به) بسبب دواعي وتصوّرات وجودية ومعرفية، فالخطأ في التعاطي مع خبر أو أمر ما، أو جهل كونه قد أمر به النبي صلى الله عليه وسلّم أو أخبر به، أو ثبت عنه، كلّ هذه العوارض "تمنع" من كفر الإنسان، باعتبار عدم وجود الإرادة الذاتية المنبعثة من تصورات وجودية ومعرفية في ردّ هذا الأمر أو الخبر، فلا يُحكم بكفره، ومن نافلة القول إنه من باب أولى أن لا يُحكم بكُفر من أكره على الكفر بلسانه مع اطمئنان قلبه بالإيمان بأركان الإيمان، لأن حقيقة الإيمان هو التصديق بالتصورات العقائدية، وهو أمر محلّه المعتبر هو القلب، وإن كان اللسان مُفصحًا عنه.

          فإذًا، ما يتناقض مع الإيمان بالإسلام هو إنكار ما ثبت بالدليل القطعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعُرف للناس بأنه ثابت عنه قطعًا (معلوم من الدّين بالضرورة)، مع عدم الجهل بذلك، وعدم الإكراه عليه، وهذا ما يستلزمه المنطق البشري السليم، وليس فيه حتى الآن مدخلية للقواعد الشرعية.

          الخلاصة: "الكفر" بالإسلام هو بإنكار ما عُلم ضرورةً أنه من دين الإسلام، مع انتفاء الجهل والإكراه.

 

        شُبهة أن "التكفير" في الإسلام إهانة:

          كان يُمكن الاكتفاء بالردّ على هذا الادّعاء المُغالط بالإحالة إلى ما كتبناه في بداية البحث من أن التكفير ليس فيه إهانة للمُكفَّر، بل هو مجرد تصنيف لاعتقاده بالنسبة إلى اعتقادٍ معيّن، وبيّنا ذلك بشكلٍ وافٍ، ولكن يهمنا هنا، زيادةً على الموقف المنطقي المتطابق مع الشرع الإسلامي، أن ننظر في نصوص الشرع، هل أثبتت هذه الدعوة أم أثبتت نقيضها؟

          الله تعالى يقول في كتابه الكريم {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (التغابن،2)، فالله تعالى يخبرنا أنه خلقنا جميعا، مؤمننا وكافرنا، ثم قال في آية أخرى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء،70)، فقد بيّن، سبحانه وتعالى، أنه كرّم كلّ بني آدم، دون تعليق التكريم على صفة الإيمان أو الكفر، بل جاء مطلقًا، فالله تعالى كرّم بني آدم كلّهم باعتبار آدميّتهم، علمًا أنه قال في كتابه إن منهم مؤمن ومنهم كافر، مما يدلّ على عدم التلازم بين الكفر وبين الإهانة أو عدم الإكرام، فمن السفسطة والمغالطة أن نتّهم الإسلام بأنه يهين الناس عندما يحكم بكفرهم، بل كتاب الله تعالى ينطق بنقيض هذه الدعوى المُغالطة.

 

        شبهة التلازم في الإسلام بين الكفر والقتل:

          يدّعي بعض الحداثيين، في معرض هجومهم على الإسلام، بأن الإسلام دينٌ لا يتقبّل الآخر، ويأمر بقتل كلّ من خالف أحكامه، كما يأمر بقتل "الكافر"، وأنه في هذا الزمن الذي يعيش فيه الناس في ظل العولمة، واتصال الحضارات، والمواطنة في وطن يجمع أطيافا مختلفة من الناس، لها معتقداتها الخاصة، في ظل كل هذا التقارب الإنساني، لم تعُد نصوص القرآن والسنة التي تأمر، حسب ادّعائهم، بقتل المخالف، لم تعُد تناسب عصرنا، بل يجب حذفها من نصوص الوحي، وهذا موقفٌ يهدف، مع استحالة الحذف من النصوص، كما يعرف الحداثيون أنفسهم، إلى ترك الإسلام قاطبة، وهي دعوى مغلّفة بدعوى حقوق الإنسان والتعايش، ولكن هذه هي حقيقتها.

لن أناقش الجزئية الأولى المتعلّقة بالتعايش، والمعايير الإنسانية، والتقارب الإنساني، فهذه كذبة أبشع من الشبهة، وقد أُفرد لها بحثًا خاصًّا لمناقشتها، بل سأناقش الادّعاء الذي يدّعي التلازم في الإسلام بين "التكفير" وبين القتل.

          قال الله تعالى في كتابه الكريم، موضحا أسباب المقاتلة والقتل، وواضعًا ضوابطهما: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة،190)، فهذه الآية مُجمع عليها عند المسلمين أنها القانون العام المحكم للقتال، والتي تُردّ إليها كلّ الآيات المتعلّقة بالقتال في القرآن، والله أمرنا فيها أن نقاتل صنفًا من الناس، وهم المعتدين، بغضّ النظر عن انتمائهم العقائدي، سواء أكانوا مسلمين، كالخوارج أو البغاة أو الصائلين المحاربين، أو كانوا غير مؤمنين، كالمحاربين للإسلام وأهله من غير المسلمين، فعلة إباحة المقاتلة والأمر بها هو وجود وصف "المحاربة"، فإذا انعدم الوصف انعدم معه الحكم، وإذا لم يكن غير المسلم محارب فلا يجوز قتاله بمفهوم الآية، مع الإشارة إلى أن غير المسلمين أربعة أصناف:

  • ذمي: وهو كافرٌ دخل بعقد أمان دائم مع المجتمع الإسلامي (نظيره اليوم "المواطن")، فهذا لا يجوز أذاه، فضلا عن قتله، أبدا، بل حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إيذائه بقوله: "من أذى ذميا فقد أذاني"، وقال: "من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة"، فمن اعتدى على الذمي الكافر فهو خصم للنبي يوم القيامة، فهل هناك ذنبٌ أعظم من هذا في الإسلام؟ وهل هناك دولة معاصرة أعطت لمواطنٍ هذا القدر وتوعدت من آذاه بهذا الوعيد؟
  • معاهد: وهو كافرٌ بيننا وبين دولته أو مجتمعه معاهدة بعدم الاقتتال، فهذا أيضا لا يجوز قتله أو أذاه. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً"، وقال: "ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فأنا خصمه يوم القيامة"، فمن آذى معاهدًا لم يرح رائحة الجنة وكان خصما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة، فأي خزي بعد ذلك؟
  • مستأمن: وهو كافرٌ دخل أرضنا بعقد أمان مؤقت، وهذا أيضا لا يجوز قتله أو أذاه، قال الله تعالى في حقه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ} (التوبة،6)، فوجب أن نُبلغهم مأمنهم طالما أن بيننا وبينهم عقد أمان، وحتى لو كان من قوم محاربين لنا.
  • مُحارب: وهو كافرٌ أعلن علينا وعلى ديننا الحرب، وليس بيننا وبينه عهدٌ ولا أمان، فهذا الذي يتوجه إليه القتال في الإسلام، وهذا الذي تنطبق عليه الآية المحكمة {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة،190)، بشرط عدم الاعتداء في المقاتلة كما تنصّ الآية، يعني حتى الذين قاتلونا وناصبونا العداء أمرنا الله تعالى أن نقاتلهم بدفع عدوانهم وكفّ أذاهم دون الاعتداء في المقاتلة، فهل هناك رحمة في أي نظام معاصر يدّعي مراعاة حقوق الإنسان كالتي في شرع الله تعالى؟

بان لنا من خلال ما استعرضته أن القول بأن التكفير في الإسلام هو إهانة للآخر، وبأن هناك تلازما بين التكفير والقتل في الإسلام هو أمرٌ لا يمت للنصوص الشرعية، بمنطوقها أو بمفهومها، بأيّ صلة، وبأن هذه الادّعاءات هي ادّعاءات مُغرضة لتشويه صورة الإسلام في عقول الناس، وصدّهم عنه، وهذه النصوص الشرعية أمامنا تدلّ على ما ذهبتُ إليه، وكتب الفقه الإسلامي بيّنت ضوابط كلّ ما ذكرته بالتفصيل والشرح، فمن كان حريصًا على الفهم، ومتّبعًا للعقل وللمنطق الإنساني السليم، فليَعُد إلى تلك الكتب ليرى العجب العجاب من دقة المسلمين في تفصيل هذه الأمور وضوابطها، ومن حرص علماء المسلمين على دماء البشر جميعهم، مسلمهم وكافرهم، فإن فيها ما يثلج صدور قوم مؤمنين، ويردّ كذب وافتراءات قومٍ امتلأت صدورهم حقدًا على الإسلام وأهله.

 

     هذا ما أردت بيانه في بحثي المقتضب، أسأل الله تعالى أن أكون قد وُفّقت فيه إلى الحق، فما كان من قبيل ذلك فهو من الله تعالى وحده، وبتِوفيقه، وما كان سوى ذلك فهو من نفسي الأمارة بالسوء.

والحمد لله رب العالمين

الباحث: محمد حسين المصري


مقالات متعلّقة