دلالات معركة "قاعدة الوطية" في السياسات الإقليمية

تاريخ الإضافة الإثنين 18 مايو 2020 - 7:25 م    عدد الزيارات 1103    التعليقات 0     القسم سياسي

        


قامت القوات التابعة لحكومة الوفاق الليبية بالسيطرة، اليوم الأثنين، على كامل "قاعدة الوطية"، التي كانت تحت سيطرة القوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر، بعد أسابيع من الاقتتال بين الطرفين، فما هي دلالات هذه المعركة من الناحية العسكرية على التوازنات الإقليمية، وعلى ميزان قوى الدول الفاعلة إقليميا؟

عندما تدور المعارك فإن الأطراف المتقاتلة تنهمك بشكل كامل في صراعها في الميدان، ولكن تبقى هناك أطراف أخرى تقرأ فيما وراء المعارك المباشرة، وفي آثارها على التغيرات الجذرية التي قد تحدث نتيجة العوامل المختلفة التي تفصح عنها هذه المعارك.

فعلى سبيل المثال، قد تكون المعارك من أكثر الأحداث التي تُبرز قوة بعض الأسلحة دون غيرها، أو تكشف عن تفوق عسكري في منظومة أسلحة دون أخرى، وهذا ما سأركز عليه في مقالتي هذه، لمحاولة قراءة أثر هذه المعركة على ميزان القوى بين الدول المؤثرة إقليميا.

ولكن بداية لا بدّ من سردٍ تاريخي بسيط يضع القارئ الكريم في سياق الأحداث الدائرة في ليبيا، حتى تنجلي الأمور بوضوح أمامه.

أعلن اللواء الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، في 4 نيسان/أبريل 2019م، إطلاق "عملية الكرامة"، وهي عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الليبية بقيادة فائز السراج، وهي الحكومة المُعترف بها دوليا.

ورغم كون حكومة الوفاق هي الجهة الرسمية الشرعية في البلاد، إلا أن دولا كثيرة وقفت داعمة لحفتر في عمليته، وأبرز هذه الدول، روسيا وفرنسا ومصر والسعودية والإمارات.

وقد قامت السعودية والإمارات بدعم قوات حفتر بالمال والمرتزقة والعتاد العسكري والطائرات المسيّرة، في حين قامت مصر باستخدام سلاحها الجوي لقصف العاصمة الليبية، وأرسلت قواتا لها للمحاربة إلى جانب قوات حفتر، بالإضافة إلى قوات المرتزقة الروس "واغنر"، و في المقابل وقفت تركيا مع حكومة الوفاق موقف الداعم، قبل أن تدخل بشكل مباشر إلى الأراضي الليبية، وفقا لاتفاق مشترك بينها وبين الحكومة الشرعية في البلاد في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2019.

بعد هذا الاستعراض الموجز لخريطة التحالفات على الأراضي الليبية نعود إلى معركة قاعدة الوطية، فهذه القاعدة تقع في غرب ليبيا، وقد بناها الأمريكيون عام 1942 على مساحة كبيرة تبلغ 50 كلم مربّع، وهي من أكثر القواعد المُحصّنة طبيعيًا وبتحصينات مُنشأة، كما أنها بعيدة عن المناطق السكنية، وغير محاطة بالعمران، مما يجعل من عملية الدفاع عنها أمرًا متيسّرًا، ومن عملية الهجوم عليها واقتحامها صعبة جدا، ولذلك اكتفت قوات الوفاق بمحاصرتها بالكامل، وبقصفها من الجو، ومن سلاح المدفعية، مما أوقع الكثير من الخسائر البشرية في صفوف القوات المتمركزة فيها، بما فيها قيادات ميدانية مهمة.

وأمام هذا الواقع كانت هناك خطة للقوات المدافعة باستقدام منظومات دفاع جوي روسية للدفاع عن القاعدة في وجه سلاح الجو التابع للوفاق، مما سيؤمّن بقاء هذه القاعدة تحت سيطرة قوات حفتر، وقد استقدموا بالفعل منظومتي دفاع جوي روسيتين من طراز "بانتسير-أس1"، وهذه المنظومة من مفاخر الصناعة الروسية الحديثة في الدفاع الجوي، وقد صممت لحماية المرافق المدنية والعسكرية من جميع وسائل الهجوم الجوي الحديثة والواعدة، في أي بيئة إلكترونية مناخية، أو إشعاعية، نهارا وليلا، كما تتمكن هذه المنظومة من حماية المنشآت من التهديدات البرية والبحرية.

لكن ما الذي حصل لهذه المنظومة؟ لقد تمكن السلاح الجوي التابع لقوات الوفاق، باستخدام المسيّرة التركية "بيرقدار"، من تدمير هذه المنظومة المتطوّرة فور دخولها الخدمة، بالرغم من كونها مجهزة بأحدث أنظمة الرادار وأدقّها، والقادرة على رصد الأهداف الجوية المتطورة والتعامل معها.

فإذًا، نحن أمام تطوّر كبير على مستوى الأحداث الميدانية، والسياسات الإقليمية، فهي ليست المرة الأولى التي تقوم فيها مسيّرات تركية من نوع "بيرقدار" من تدمير هذه المنظومة الروسية المتطورة، فقد سبق لهذه المسيّرة أن دمّرت هذه المنظومة الروسية في سوريا، وها هي تعيد الكرّة اليوم في ليبيا، أمام عجز صناعي روسي كامل لمواكبة هذا التطوّر النوعي التركي.

 

قراءة تحليلية لهذا التطوّر؟

تعتبر تركيا اليوم من أهم اللاعبين الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط، وهي تصارع للحفاظ على مصالحها في هذه المنطقة، بدءً من ضمان أمن حدودها مع سوريا، ضد ما تعتبره خطرًا لتمدّد الحركات الكُرديّة المناوئة لها، وخطر الحركات الإرهابية أيضُا، إضافة إلى حماية مصالحها الملاحية البحرية في البحر المتوسط عبر الاتفاق الدفاعي مع حكومة الوفاق الليبية، وهو الذي أدى بها إلى دخول ليبيا بناءً على طلب الحكومة الشرعية فيه، زيادة إلى صراعها السياسي مع بعض الدول العربية التي ترى في الحراك الإقليمي التركي خطرًا على الأمن القومي العربي، مثل مصر والسعودية والإمارات.

إضافة إلى ذلك، فإن تركيا لا تتوافق بالكامل مع المشروع الإيراني الذي يظهر بمظهر المشروع المذهبي في المنطقة (بغض النظر عن براغماتية هذا المشروع)، كما أنها تتوجس خيفةً من التواجد الروسي المباشر في سوريا، وقريبا منها، زيادة على الوجود الأمريكي في المنطقة، والداعم للحركات الكردية المناوئة لأنقرة.

خريطة القوى هذه في الشرق الأوسط تجعل منه أكثر المناطق المعقدة عسكريًا وسياسيًا في العالم، وأمام هذا الواقع المستعر بالصراعات في هذه المنطقة الجغرافية، فإن خطوة تدمير منظومة الدفاع الجوي المتطورة من قبل مسيّرة تركية يُعدّ مؤشّرًا مهمّا على تفوّق سلاحٍ تكتيكيٍ تركي على منظومة روسية تُعتبر من مفاخر الصناعة الروسية في هذا المجال، وتعطي دفعةً سياسيةً قوية لتركيا على الساحة الإقليمية، سيّما أن العلاقات الدولية في هذه المنطقة قائمةٌ على مفهوم القوة، وحدثٌ مثل هذا سيعطي دفعًا للدور التركي الذي تلعبه في المنطقة، وسيزيده من حيث الكم والنوعية.

ففي الساحة الليبية، أصبحت القوى الداعمة لحفتر مكشوفة بالكامل أمام سلاح الجو التابع لقوات حكومة الوفاق، فمنظومة الدفاع الجوية الروسية "بانتسير-أس1" هي أكثر المنظومات المتطورة المستخدمة على الأراضي الليبية، وبتدميرها، وإثبات عجزها بالكامل أمام المسيّرة التركية "بيرقدار"، فإن معسكر حفتر بات مشرّعًا أمام هذه المسيّرة التي خلت لها الأجواء الليبية.

أيضًا، فإن في هذا التطوّر العسكري رسالة إلى الدول المنطقة التي تعتمد في دفاعها الجوي على هذه المنظومة، مثل دولة الإمارات مثلا، فقد باتت تدرك أن سماءها مكشوفةٌ بالكامل أمام سلاح الجو التركي، مع فشل المنظومة الروسية في التعامل معه، وفي هذا دلالات سياسية مهمة في منطقة تشوبها الصراعات.

ويمكن من ناحية أخرى قراءة هذا التطوّر، زيادة على كونه فشلا لمنظومة روسية متطورة، على أنه نجاحٌ باهرٌ للتقنية العسكرية التركية في مجال المسيّرات، هذه المسيّرات التي تملك قدرة عالية على التسلّل والتخفي، والمناورة بشكل كبيرٍ جدا، مما يجعل منها سلاحًا ميدانيًا فاعلًا بشكلٍ كبير، ويساهم في زيادة تراكم القوى للدولة التركية، وهو ما يجعل منها دولة فاعلة في الإقليم.

إضافة إلى ذلك، فالحدث له آثار اقتصادية لا تقل أهمية، في مجال العلاقات الدولية، عن الآثار العسكرية، فمن المعروف أن الدول المتقدمة في مجال التصنيع العسكري تستفيد من الأداء الفعّال لمصنوعاتها في بيع هذه المصنوعات للدول غير المصنعة، والتي تحتاج إلى هذه التقنيات والصناعات المتطورة، وحدثٌ مثل هذا الحدث، أي تدمير هذه المنظومة من قبل مسيّرة، سيجعل الدول التي كانت تريد شراء هذه المنظومة في غنىً عنها لعدم ثبوت جدواها ميدانيًا، مما سيصيب قطاع التصنيع العسكري الروسي بخسائر نتيجة عدم بيع هذه المنظومة، تمامًا كما حصل مع دبابة ميركافا الإسرائيلية التي دمّرت قوات حزب الله اللبناني العشرات منها في حرب تموز 2006، باستخدام سلاح "الكورنيت" الروسي المضاد للدبابات، مما دفع دولًا كانت قد وقّعت عقودًا لشراء الدبابة مع العدو الإسرائيلي، إلى إلغاء تلك العقود بعد هذه الحرب.

في حين أن المسيّرة التركية ستصبح محطّ أنظار الدول، وهو ما قد يدرّ على تركيا عقودًا كثيرة لشراء المسيّرة، وهذا سيعزّز الاقتصاد التركي وقطاع الصناعات العسكرية التركية.

فهل ستُحسن تركيا استغلال هذا التفوّق العسكري لتعزيز اقتصادها ودورها الإقليمي؟ هذا ما ستكشف عنه قادمات الأيام، مع أن التجارب السابقة مع السياسة الخارجية التركية أثبتت حنكةً كبيرةً فيها لاستغلال الأحداث لصالح تعزيز دور تركيا في الإقليم.

الكاتب: محمد حسين المصري، باحث سياسي ومتخصّص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية


مقالات متعلّقة