من «ضيق» القصور إلى «سعة» العبادة.. ملوك هجروا الكرسيّ من أجل سجادة صلاة!

تاريخ الإضافة الإثنين 19 مارس 2018 - 9:00 م    عدد الزيارات 855    التعليقات 0     القسم منوع

        


تركتُ الخلقَ طرًّا في هواكا * وأيتمتُ العيالَ لكي أراكا
فلو قطّعتني في الحبِّ إربًا *  لما حنّ الفؤادُ إلى سواكا

بعدما أنهى أبو يوسف «يعقوب بن يوسف المنصور» – من سلاطين الموحدين – غزوته الأخيرة في الأندلس، رجع قافلًا إلى عاصمته في بلاد المغرب، وفي إحدى الليالي التي اشتدَّ عليه فيها المرض شاهد أباه «يوسف بن عبد المؤمن» في المنام جالسًا بين أبنائه، ومنهم يعقوبُ نفسه، ويحدثهم، ثمّ التفتَ إلى يعقوب قائلًا: «يا يعقوب لم قتلتَ أخاك وعمَّك؟» وعاتبه تاليًا هذه الآيات من سورة الزمر: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ».

كان يعقوب قد قتل أخاه وعمّه؛ بسبب صراعٍ على الملك. لكنّ يعقوب أيضًا كان «فاضلًا عاقلًا، حازمًا عازمًا، متواضعًا لله مجاهدًا في سبيله» على ما يصفه المراكشيّ في كتابه «البيان المُغرِب». ويعقوبُ هذا وفقًا لأغلبِ أوصافه كان عالمًا فاضلًا، يحبُّ العلم ويتقرَّبُ لأهله. كانت هذه الرؤيا هي النهاية بالطبع؛ فبعد فترةٍ يسيرة حضر الموتُ يعقوب، فجمعَ أهله، وأوصاهم بالرعيّة، ورؤوس القوم، والوزراء، والقبائل المغاربية قبيلةً قبيلة. وقُبيل هذه الوصيّة أرسل لأمّ أخيه يستغفرها في دم أخيه الذي قتله بسبب تصاريف الملك وأمور السياسة؛ فسامحته، وأقسم ليبرّنها في أخيها، فعيّن خال أخيه واليًا قُبيل وفاته، وأوصى ابنه ألا يخلعه، فظلّ في ولايته قرابة 30 عامًا، خرج منها لما مات فقط.

لكنّ الرواية الأخرى لنهاية يعقوب، أنّه لمّا أحسّ بوحشةِ الملك، وضيقِ السلطة، أشاعَ في النّاس موته، وهرب! هرب من عاصمته، ومن وزرائه، ومن رعيّته ومن أعدائه على السواء. ويُقال إنّ نهايته الحقيقيّة كانت بالشام، وأنَّهُ مدفونُ بموضعٍ معروفٍ في لبنان.

للعرب حِكمٌ ومواعظ استخلصوها من علاقتهم بالسُّلطة، ربما أبرز هذه الحِكم أنّ «المُلكُ عقيم»، لا تفرقةَ فيه بين ابنٍ أو أخٍ أو أب، فالسلطة تُفسد الصالحين، وتجذبُ السوء. لهذا فليس غريبًا أن نجد «أورنجزيب عالم كير» السلطان المغوليّ المسلم منحيًا أباه في سجن قلعته، وقاتلًا أخاه الأكبر، مستحوذًا على السلطة، أو أن نجد «إبراهيم زيادةُ الله» قاتلًا جميع إخوتهِ وأعمامه، أو «سليمان القانوني» قاتلًا ابنه البكر وولي عهده «مصطفى» خوفًا من نفوذه المتعاظم بين الجُند وقادة الإنكشاريّة.

لكن هل كان المُلك عقيمًا دومًا؟ الإجابة هي: نعم، ولكنه رغم عُقمه، ورغم شهوتهِ وسلطانه اللامحدود، وجد بعض البشر – وهم أندر من الندرة ذاتها – أنّ بُعدهم عن «ضيق» السلطة منجاةٌ لهم. في التاريخ الإسلاميّ الكثير من أبناء الملوك والولاة الذين هجروا سلطان الدنيا لسلطان العبادةِ والتصوُّف، مثل «إبراهيم بن أدهم» و«أبي بكر الشبلي» وغيرهما من شيوخ المتصوفة، وأيضًا الجميع يعرف تخلِّي الحسن بن عليّ عن الخلافة لمعاوية، لكن بالتنقيب أكثر في كتب التاريخ، نجد ملوكًا وسلاطين حيزت لهم الدنيا كاملةً بحذافيرها وأكثر دونَ صراع، ثمّ أشاحوا عنها حبًّا في العُزلةِ والعبادة.


مقالات متعلّقة