ليبيا تحت السيطرة الإسبانية

تاريخ الإضافة الأربعاء 26 فبراير 2020 - 3:30 م    عدد الزيارات 382    التعليقات 0     القسم منوع

        


هذا البحث هو لملأ الفراغ في السياق التاريخي الليبي في ظل الحقبة الإسلامية، فبرغم تعاقب دول إسلامية عدة على حكم ليبيا خلال التاريخ الإسلامي، إلا أن هذا السياق لم يكن متصلا بالكامل، بل تخلله فجوات تاريخية خرجت فيها ليبيا عن سيطرة الدولة الإسلامية إلى حكم غيرهم، وأخصّ بالذكر هنا الاحتلال الإسباني لليبيا الذي حدث في مرحلة انتقال ليبيا من حكم الفاطميين إلى حكم الدولة الإسلامية العثمانية.

 

في العام 1492 ميلادي سقطت غرناطة بيد الإسبان الذين أخذوا على عاتقهم حرب الإسلام والمسلمين في العالم، وكان هذا السقوط بمثابة بدء مرحلة جديدة من الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي، وخصوصا الساحل الشمالي لإفريقيا، والذي يواجه أوروبا مباشرة، ومن ضمنها سواحل ليبيا التي رأى فيها الإسبان موقعا استراتيجيا مهما للسيطرة على البحر المتوسط في إطار النزاع على النفوذ بينهم وبين الدولة العثمانية.

 

وقد احتل الإسبان طرابلس الغرب بشكل مباشر، ثم أقطعوها لفرسان القديس يوحنا، وهي منظمة دينية إرهابية ارتكبت مجازر مروّعة بحق المسلمين على مرّ التاريخ، وامتدت هذه الفترة (حكم الإسبان وفرسان القديس يوحنا) من عام 1510 وحتى العام 1530 ميلادي، حيث تدخلت بعدها الدولة الإسلامية العثمانية، بطلب من أهل ليبيا، وأنقذوا ليبيا من فرسان القديس يوحنا، وبذلك تكون ليبيا قد دخلت تحت السيطرة العثمانية منذ ذلك التاريخ.

 

وعلى الرغم من قصر هذه المدة نسبيا، إلا أنها كانت بالغة الأهمية بالنسبة للوضع في شمال أفريقيا، فهي شكلت أطول مدة احتلال أوروبي للشمال الأفريقي، وما زالت إسبانيا تسيطر على جزر مطلة على الساحل الإفريقي الشمالي.

 

سقطت طرابلس في أيدي القوات الإسبانية في 25 تموز عام 1510 ميلادي، وكانت طرابلس في السنوات التي تقدمت احتلال الإسبان لها تتميز بنصيب وافر من الثروة ورفاهية العيش، وقد وصفها قائد الحملة الإسبانية، الكونت “بدرو دي نافارو” من خلال الرسالة التاريخية التي بعث بها إلـى نائب الملك في صقلية، ينقل فيها خبر احتلال المدينة بقوله: “سيدي إن هذه المدينة لهي أكبر في واقعها مما كنت أتصور، ورغم أن الذين يشيدون بها ويطرونهـا يتحـدثون عنها حديثاً حسناً إلاّ أني أرى أنهم لم يقولوا إلا نصف الحقيقة سـواء فيمـا يتـصل بتحصيناتها أو نظافتها حتى لتبدو مدينة إمبراطور أكثر منها مدينة لا تنتمي لأي ملك”، وهذه الرسالة تبين لنا ما كانت تحظى به طرابلس الغرب من موقع مهم بين مناطق الشمال الإفريقي.

 

كما يقدم لنا أيضاً أحد رجال الحملة الأسـبانية، “باتـستينو دي تـونيس” وصفاً لمدينة طرابلس الغرب في تلك الحقبة بالقول: “تقع مدينة طرابلس أوضاع ليبيا مابين الاحتلال الأسباني والنجدة العثمانية ١٥١٠- ١٥٥١م في سهل وهي مربعة الشكل، ويحيط بها سور يمتد أكثر من ميـل، ولهـا سـوران مزدوجان، تَحف بهما خنادق منخفضة ضيقة، السور الأول صغير ومنخفض وهو ما عبر عنه الرحالة التجاني بكل دقة، أما السور الثاني فهو مرتفـع جـداً وفخامتـه متناسبة مع الأبراج، وهي ذات مواقع دفاعية ضخمة ومحاطة بـالبحر مـن جهاتهـا الثلاث، ولها ميناء ممتاز قادر على إيواء أربعمائة سفينة، ومن أجل ذلك كان ضـياع المدينة مبعثاً للأسى والأسف ويقال: إن سكانها أكثر من عشرة آلاف نسمة من العرب وبعض اليهود”، وهذه أيضا شهادة من رجالات ذلك الزمن على أهمية موقع ليبيا الجغرافي، وعلى موقعها الاستراتيجي على الساحل الشمالي لإفريقيا.

 

قصة الاحتلال:

استعد الإسبان لغزو طرابلس، فقاموا بتجهيز 120 قطعة بحرية، وضموا إليها سفنا أخرى من مالطة، أما الجنود فقدّروا بخمسة عشر ألف جندي من الإسبان، وثلاثة آلاف من الإيطاليين والمالطيين، كما انضم إلى الجيش خبير مالطي اسمه جوليانو بيلا ، له معرفة كبيرة بطرابلس.

 

أعدّت هذه الحملة بإشراف نائب الملك في صقلية، وبإعانة الجيوش الصقلية والإيطالية، وقد وصلت أخبار هذه الحملة إلى طرابلس قبل تحركها بنحو شهر، فنزح الناس منها إلى مختلف المناطق والمدن الليبية كغريان، وتاجورة، ومسلاتة، وأخذوا معهم كل ما كان مهما من أموالهم ومن أثقال متاعهم، ولم يبق في المدينة إلا المحاربون وشيخ المدينة “عبد الله بن شرف” مع عائلته، وبعض السكان الذين لم يقدروا على الفرار، فانحازوا إلى قصر الحكومة والجامع الكبير، وصعد المحاربون فوق الأسوار وعلى القلاع.

 

نزلت الجيوش الأوروبية إلى الشواطئ الليبية عبر القوارب، وفي الساعة التاسعة صباحا بدأ هجومهم على طرابلس، وأطلقت السفن مدافعها على الأسوار وقصر الحكومة، ونزل الجيش المكلف بمنع العرب من الاتصال بالمدينة إلى البر من جهة سيدي الشعاب، واندفع الجيش الإسباني نحو المدينة تحت حماية مدافع الأسطول، فاحتل البرج القائم على باب العرب وبعض الأسوار المتاخمة له، وتمكن الإسبان من فتح باب النسور، واتصل الجيش الخارجي بالجيش الداخلي، واستبسل الطرابلسيون في الدفاع عن مدينتهم وأرضهم.

 

وقد جاء في رسالة القائد الصليبي “نافارو” ما يصف شناعة الإجرام الذي ارتكبته القوات الغازية بحق أهل ليبيا، فقد ذكر أنه “لم يخل موضع قدم في المدينة من قتيل”، وقد قُدّر عدد الشهداء بخمسة آلاف، وعدد الأسرى بأكثر من ستة آلاف، وتغلب الإسبان على المقاومة الشعبية رغم عنفها واستبسال أهلها، واحتلوا قصر الحكومة عنوة، وأسروا فيه شيخ المدينة الشيخ عبد الله بن شرف هو وزوجته وأبناؤه، وقد اشتدا المعركة وحمي وطيسها حينما تمكن حامل العلم الإسباني من نصبه على برج القصر.

 

وأبدى من التجأوا إلى الجامع الكبير مقاومة شديدة واستبسال في الدفاع عنه، فاستُشهد منهم نحو ألفي طرابلسي بين رجال ونساء وأطفال، بينما قُتل من الإسبان نحو ثلاثمائة رجل، وكان من بين القتلى كولونيل كبير في الجيش، وأميرال الأسطول، وشخصية أخرى كبيرة من النبلاء، وقبل أن تغرب شمس ذلك اليوم سقطت مدينة طرابلس في يد الإسبان بعد أن أريقت دماء الطرابلسيين في كل بقعة منها، فقد امتلأت الطرقات بجثث الأطفال الصغار والشيوخ العُجّز، وبجثث نساء تم بقر بطونهن وقطع أثدائهن في تعمّد لهتك شرفهن، ولكثرة جثث الشهداء فقد قام المحتلون بإلقائها في صهاريج الجوامع وفي البحر، وأحرق بعضها بالنار، وأُخذ شيخ المدينة عبد الله بن شرف هو وأولاده وحريمه أسرى، حيث بقوا في الأسر لمدة تزيد عن عشر سنوات.

 

عمل الإسبان منذ استيلائهم على طرابلس على تحويل هويتها الدينية من إسلامية إلى مسيحية، وقد عملوا على طرد جميع السكان الطرابلسيين وأحلوا محلهم أكبـر عـدد ممكـن مـن المسيحيين، وعلى الرغم من كل ذلك فقد فشلت المخططات الإسبانية، ولم تتحول مدينة طـرابلس إلى بلد مسيحي كما كانوا يتوقعون، كما فشلوا في تثبيت دعائم حكمهم بالرغم من جميع الوسائل التي اعتمدوها، ومنها الاتصال بزعماء القبائل في محاولة لكسب تأييدهم، مما اضطرهم إلـى استعمال العنف في كل محاولة لتغيير ملامح الحياة في طرابلس.

 

وقد ضعفت السيطرة الإسبانية على طرابلس بسبب الحروب التي خاضها الإسبان في أوروبا، مما شجع على قيام مقاومة ليبية شعبية ضد الغزاة الإسبان، وقام الليبيون، بمساعدة تونسيين، من محاصرة طرابلس، متخذين من مدينة تاجوراء القريبة منها مركزا للمقاومة، ثم تمدّدت المقاومة إلى الجبل الغربي ومسلاته، مما أفشل محاولات الإسبان في التمدد خارج طرابلس.

 

ومع ضعف النفوذ الإسباني في طرابلس، وانشغالهم في الحروب الأوروبية، قاموا بتسليم النفوذ في طرابلس إلى المنظمة الدينية المتشددة “فرسان القديس يوحنا” والمشهورون بإرهابهم وقتلهم لكثير من المسلمين، وقد استمر هؤلاء في حكم طرابلس حتى دخول القوات الإسلامية العثمانية إليها وتحريرها منهم، لتدخل ليبيا بذلك تحت حكم الدولة الإسلامية العثمانية عام 1551 ميلادي.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.