ليبيا من الاحتلال إلى الجماهيرية

تاريخ الإضافة الإثنين 2 مارس 2020 - 12:23 م    عدد الزيارات 342    التعليقات 0     القسم منوع

        


هذه الورقة تتكلّم عن فترة الانتقال بليبيا من الاحتلال الذي أعقب زوال السيطرة العثمانية على ليبيا، وانتقالها إلى الاحتلال الإيطالي، ثم تحرير ليبيا من ربقة الاحتلال ونشأة الجماهيرية الليبية.

كانت فترة الاحتلال الإيطالي لليبيا فترة صعبة ارتكب فيها الإيطاليون أشنع المجازر والانتهاكات بحق الشعب الليبي، وهو ما زاد من عزيمة المجاهدين الليبيين في مواجهة المحتل الإيطالي، وقد سطر الليبيون أروع الصور في المقاومة ومواجهة الغزاة الإيطاليين، وأقلقوا وجوده على الأراضي الليبية بشكل بارز جدا، فلم يستقر الأمر بالمحتل حتى بدأت الحرب العالمية الثانية.

دأب الاحتلال الإيطالي، خلال فترة 30 عاما من الاحتلال للأراضي الليبية، على صبغ احتلاله بصبغة دينية، فقد حرص القساوسة على مباركة أساطيلهم، ودق النواقيس عندما انطلاقهم في الحملات العسكرية، وإقامة الصلوات، وتوزيع الصلبان على الجنود، كما أفرط الإيطاليون في الاحتفال بانتصاراتهم في الكنائس، ولم يكتفوا بفعل ذلك في إيطاليا، بل تعمدوا القيام بهذه الطقوس في ليبيا، فكان أن أثارت كل هذه السلوكيات المجاهدين ضدهم أكثر وأكثر، سيّما أن احتفالاتهم كانت تحت عنوان “شكر الرب الذي مكّنهم من انتزاع الهلال وإحلال الصليب مكانه”.

كما استمر الاحتلال الإيطالي، طوال فترة احتلاله لليبيا، بإقناع جنوده بأنهم باحتلالهم ليبيا يقدمون خدمة جليلة للشعوب التي احتلوها، في محاولة لتمدينها وتطويرها، وأنهم أصحاب رسالة سامية، ويجب عليهم إخضاع الشعب الليبي وتأهيله ولو بالقوة، وف ذلك يقول الجنرال الإيطالي “رودلفو جراتزياني” في كتابه “نحو فزان”: “إن الجنود الإيطاليين كانوا مقتنعين بأنهم هم الأمة المسيطرة التي تقوم بتأدية رسالة سامية من رسالات الحضارة.. وأنهم لم يأتوا للاستغلال، ولكن لتحسين حالة البلاد، وأن الإيطاليين لا بد أن يقوموا بهذا الواجب الإنساني بأي ثمن… فيجب إخضاع الشعب الليبي طواعية للاستعمار الإيطالي ولعادات وقوانين إيطاليا، وإذا لم يقتنع الليبيون بذلك فإن الإيطاليين سيخوضون صراعًا مستمرًا معهم، ويستطيعون تدمير الشعب الليبي كله للوصول إلى السلام.. ولكنه سلام المقابر!!”، فهذه العقلية التي كانت تحكم ليبيا وتتعامل مع شعبها بفوقية واضحة واحتقار شديد، وكلها كانت عوامل ساهمت في إذكاء نار المقاومة واشتدادها.

       صورٌ مشرقةٌ من الجهاد الإيطالي:

تحمّلت الحركة السنوسية الليبية العبء الأكبر من الجهاد ضد المحتل الإيطالي، فقد رسم أتباعها أروع الصور في الجهاد والتضحية بكل غالٍ ورخيصٍ في سبيل الدفاع عن المقدسات والحرمات والأرض والعرض، وأجبروا المحتل الإيطالي على البقاء في الخنادق والمخابئ احتماءً من ضرباتهم المؤلمة، لذلك عملت الاستراتيجية الإيطالية على التخلّص من هذه الحركة وأتباعها لأنهم أدركوا أن بقاءها خطر على تواجدهم في ليبيا.

وقام السيد الشريف “أحمد السنوسي”، زعيم السنوسيين، بإعلان الجهاد ضد الإيطاليين، وأرسل إلى القبائل يدعوهم إلى الخروج للجهاد دفاعا عن ليبيا، وطلب منهم إرسال الرجال ما بين عمر الرابعة عشرة والخامسة والستين، معلنًا أنه سيكون في مقدمة الجموع المقاتلة مع كبار رجال السنوسية.

وقد لاقت دعوة الشريف “أحمد السنوسي” آذانا صاغية، فتوافد المقاتلون من كل حدبٍ وصوب، وبلغوا حوالي 19 ألف مقاتل في معسكر درنة، وانحازوا إلى جانب طرابلس وبرقة، فكان مجيئهم عامل اطمئنان لسكان هذه المناطق ومقاتليها.

لاحظت إيطاليا اختلاف نوعية المقاتلين الذين يواجهونها، واستيسالهم في قتالها، وإصرارهم على هزيمتها، فطلبت من الدول الأوروبية الضغط على العثمانيين لوقف القتال وإلا فإنها ستقوم بضرب سواحل الدولة العثمانية، فأدى هذا التدخل إلى عقد معاهدة “أوشي” التي تضمنت اعتراف تركيا بضم طرابلس الغرب إلى ليبيا.

رغم ترك العثمانيين ليبيا تحت الإكراه، وتوقيعهم الاتفاق مع إيطاليا، إلا أن السنوسيين رفضوا الانصياع للصلح، واستمروا في جهادهم، وقدموا التضحيات الجسام نصرة لقضيتهم، وأربكوا الدول الكبرى ومشاريعها في ليبيا.

مع بدأ الحرب العالمية الثانية، ودخول إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا، وجد الليبيون فرصة سانحة للدخول إلى جانب الحلفاء للتخلّص من الاحتلال الإيطالي، خصوصا بعد تعهد البريطانيين صراحة بعدم عودة ليبيا إلى السيطرة الإيطالية بعد الحرب، وهو تعهد لم يطمئن له الليبيون بالكامل، وظلت الريبة تساورهم تجاهه، وقد صدقت مخاوف الليبيين، فبعد انتهاء الحرب بانت الأطماع البريطانية والفرنسية في ليبيا، ورفضوا إرجاعها إلى حكم أهلها، متذرعين بضرورة إنهاء التسوية مع إيطاليا قبل ذلك.

عملت كلّ من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا على التآمر على ليبيا عبر طرح مشروعٍ يهدف إلى تقاسم النفوذ على الأراضي الليبية، ووضعوا مشروعا يضمن ضمان ذلك، وقاموا برفعه إلى الأمم المتحدة عام 1949 م، إلا أنه لم ينل الأصوات اللازمة وتم رفضه وإصدار قرار بإعطاء ليبيا استقلالها في موعد لا يتجاوز الأول من يناير 1952 م، لتنتقل بعدها ليبيا إلى حقبة الملكية ثم إلى الجماهيرية بعد انقلابٍ عسكريٍّ أطاح بها.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.