الإخفاقات في المنظومة التعليمية الليبية

تاريخ الإضافة الإثنين 6 أبريل 2020 - 2:36 م    عدد الزيارات 367    التعليقات 0     القسم منوع

        


هذا البحث هو استكمالٌ لموضوع الجزء الأول الذي يتناول إخفاقات النظام التعليمي الليبي وأهم المصاعب التي تواجهه، وكنا قد تناولنا في الجزء الأول من البحث الإخفاقات والمصاعب التعليمية في ليبيا في فترة ما قبل فبراير 2011، وذكرنا الإحصائيات التي وردت في تقارير عالمية حول الوضع التعليمي في دولٍ عدة من بينها ليبيا، وتبيّن لنا أن الوضع التعليمي في ليبيا يواجه مشاكل كبيرة جدا في تلك الحقبة، وليس صحيحا ما يتم تداوله عن أن الأحداث التي تلت فبراير 2011 كانت هي السبب في وصول التعليم إلى وضعه الحالي.

 

في هذا البحث سنركز على وضع التعليم في ليبيا بعد فبراير 2011، ونرى، هل بقيت ذات العقبات في طريق تطوير الواقع التعليمي الليبي؟ أم هناك عوامل أخرى أثرت سلبا أو إيجابا على ذلك الواقع؟

 

وبالنظر إلى الواقع الليبي بعد فبراير 2011، وخصوصا الواقع التعليمي، يمكن القول إن المشاكل التي تواجه التعليم في ليبيا تتلخص في النقاط التالية:

  • تسرب الاطفال من المدارس.
  • تضرر المؤسسات التعليمية بسبب النزاع العسكري.
  • انتشار البطالة واستقطاب الشباب للعمل الحربي.
  • انتشار الأمراض النفسية وأثرها على التحصيل.
  • استمرار انتهازية مؤسسات التعليم الخاص.
  • تزوير الشهادات والتعيين الجائر.

وسنتكلم بشيء من الإيجاز عن كل نقطة من هذه النقاط لمحاولة الاطلاع بطريقة صحيحةٍ على واقع التعليم في ليبيا، وأهم المشاكل التي تواجهه.

 

  • تسرب الاطفال من المدارس:

إن التسرب المدرسي من أكبر الآفات التي تهدد الأجيال الليبية بشكلٍ حقيقي يُنذر بنشوء جيل كاملٍ جاهلٍ، وهذا التسرّب له عدة أسبابٍ، من أهمها الوضع الأمني المُتردّي الذي جعل أولياء أمور الطلاب يخشون من إرسال أطفالهم إلى المدارس خوفا على سلامتهم، فانتشار الميليشيات، وخطر اندلاع مواجهات بينها بشكلٍ مفاجئ وغير متوقع، يجعل من التجول في الشوارع الليبية مخاطرة يحاول الآباء تجنيب أبنائهم عنها.

 

إضافة إلى ذلك فإن حركة النزوح الداخلي هربا من الاقتتال المسلح، حيث يفرّ الليبيون العاجزون عن الخروج من ليبيا إلى مناطق أكثر أمنا نسبيا، أثرت في تكدّس بشري في مناطق لا تستطيع مؤسساتها التربوية استيعاب عدد الطلاب المتوافدين إليها.

 

  • تضرر المؤسسات التعليمية بسبب النزاع العسكري:

من الواضح أن التعليم كان من أكثر القطاعات تضررا في ليبيا على عدة مستويات بدءا من انعدام الأمن وصولا إلى مستوى تضرر البنية التحتية التي وصلت مرحلة خطيرة.

 

وكان وزير التعليم في حكومة الوفاق، عثمان عبد الجليل، قد أكّد في يوليو 2017 على تضرر قرابة 4500 مدرسة، كلها تحتاج إلى الصيانة والإصلاح بشكل كامل أو جزئي، وخاصة في مناطق سرت والقواليش والعوينية وتاورغاء وككلة وأوباري.

 

كما ذكرت بعض الإحصائيات أنّ 40% من المدارس قد تعرضت لأضرار متفاوتة أثناء الحرب، وأنّ 15% من المدارس يضطر فيها أكثر من 90 تلميذًا، بين ذكور وإناث، إلى استعمال مرحاض واحد مختلط، في حين أنّ 16% من المدارس لا يتوفّر فيها مواد تنظيف للأطفال لغسل الأيدي، ومدرسة من كلّ أربعة مدارس لا يتوفّر فيها الماء الصالح للشرب، وأن 1.2% فقط من المدارس لديها مراحيض تصلح لاستخدام ذوي الاحتياجات الخاصة، و 40% من المدارس غير قادرة على توفير مراحيض للمعلمين.

 

  • انتشار البطالة واستقطاب الشباب للعمل الحربي:

أدى الصراع العسكري الذي نشأ عقب حراك فبراير 2011 إلى تضرر القطاعات الانتاجية في الاقتصاد الليبي بشكل كبير، وإلى هروب الاستثمارات الأجنبية والوطنية إلى خارج ليبيا، وهذا أدى إلى انتشار البطالة بشكلٍ مخيفٍ في ليبيا، مع إقفال العديد من المنشآت الاقتصادية لأبوابها وتسريح العمال فيها، وهو ما أدى بالتالي إلى تدني الدخل وانتشار الفقر، فانتشرت آفة عمالة الأطفال بدل ذهابهم إلى المدارس، واستقطاب الشباب الجامعيين إلى الالتحاق بالميليشيات المسلحة، والتي يتم دعمها من جهاتٍ خارجية لها مصالح داخل ليبيا، وإغرائهم بالرواتب السخية مقارنة بشظف العيش.

 

  • انتشار الأمراض النفسية وأثرها على التحصيل:

ذكر عطا حسن درويش، في دراسة له تحت عنوان “التحصيل و الدافعية نحو التعلم لتلاميذ المرحلة الأساسية بعد الحرب على غزة”، أن نسبة الإصابة بالأمراض النفسية تختلف بحسب طبيعة وحجم الصدمة: فبلغت للكوارث الطبيعية ما بين 4-5% وحوادث القصف والحروب 34% والاعاصير 7% والحوادث الصناعية 6% والهجمات العنيفة 19%.

 

ووفقا للدراسة فإن المشاهد المؤلمة التي يتعرض لها الطلاب، وسماع دوي الإنفجارات، والقصف، وأصوات الأعيرة النارية، كل هذا يترك حالة من الرعب تظل لصيقة لفترة طويلة، كالاكتئاب، والخوف، والقلق، والذعر، والهلع، والغضب، والحزن، والكوابيس الليلية، وعدم القدرة على النوم، والتبول اللاإرادي، وكلها أسبابٌ تؤدي إلى تعطيل القابلية الدراسية عند الطلاب، وتفاقم من مشاكل التعليم.

 

  • استمرار انتهازية مؤسسات التعليم الخاص:

إن واقع المؤسسات الرسمية التعليمية في ليبيا سيء للغاية بناء على ما ذكرنا آنفا بسبب تضرر هذه المرافق نتيجة الحرب، وبالمقابل فإن غياب أي سياسة واضحة تضبط إجراءات منح رخص للمدارس الخاصة أدى إلى أن تصبح الأخيرة مصدرا للاسترزاق في أغلب الأحيان، مع انعدام تام لرسالة التحصيل والتعلم، خصوصا مع إصرار الكثير من الأهل على التفوق المزيف لأبنائهم وبناتهم بشهادات تحمل درجات عالية تتأكد مع دفع المصاريف للمدارس الخاصة.

 

 

  • تزوير الشهادات والتعيين الجائر:

استمرارا لفوضى التعيينات من العهد السابق تم أيضا استغلال الفوضى بعد انتفاضة فبراير بتعيين الكثير من المدرسين والمدرسات بدون أي مقومات أو تأهيل للعمل، وهذا ينسحب على جميع مراحل التعليم، بما في ذلك التعليم العالي. ومع أن ديوان المحاسبة بذل جهودا في الحد من الازدواجية في التعيين، إلا أنه، وبسد هذه الثغرة، فتحت ثغرات جديدة بتعيينات غير محسوبة ولا مدروسة ولا تخضع لأي معايير مهنية ورقابية، مما خلق فوضى في التعيين، وفاقم من أزمة الترهل الإداري الذي تعاني منه مؤسسات الدولة الليبية أصلا.

 

أيضا، فإن أعدادا كبيرة من المتعينين الجدد التحقوا بكوادر التدريس، وبمختلف المراحل، مما زاد من تأزم العملية التعليمية، وهبوط مستويات الأداء للكثير من أعضاء هيئة التدريس، وخاصة في التعليم الجامعي، حيث بات الدافع للالتحاق بالتعليم العالي في الأساس هو الحصول على الرواتب وليس القناعة بمهنة التعليم والإيمان برسالتها.

 

في الختام فإنه من المفيد أن نشير إلى دراسة لتبعات انهيار النظام التعليمي في سوريا على مستقبل الدولة، تحت عنوان “تكاليف الحرب”، والتي تقول إن تكاليف الحرب الأهلية على التعليم من الناحية اقتصادية تنقسم هي كالآتي:

  • الأطفال المتسربون من التعليم، والذين لم يتمكنوا من إكمال تعليمهم الابتدائي، سيتقاضون رواتب وأجورا زهيدة تقدر بأقل من 32% من زملائهم الذين أكملوا دراستهم الثانوية، وبنسبة 56% أقل من الذين استمروا إلى حين إنهاء المرحلة الجامعية.
  • تكلفة اقتصادية مباشرة تتمثل في الصرف على إعادة بناء ما دمرته الحرب وسببته من تخريب، وما ضاع من وسائل تعليم ومختبرات تعليمية.
  • الحاجة إلى إعادة تأهيل وتدريب بعض المعلمين والمعلمات الجدد.
  • غياب الطلاب عن المدارس بالتأكيد له تكلفة على الناتج المحلي.

مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.