"نار وغضب"

تاريخ الإضافة الثلاثاء 9 يناير 2018 - 10:20 ص    عدد الزيارات 703    التعليقات 0     القسم سياسي

        


 

من النادر أن يُحدِث كتابٌ ضجيجاً عالمياً مثلما فعل كتاب "نار وغضب" للصحافي، مايكل وولف، عن الرئيس ترمب. الكل يتحدث عنه هذه الأيام، ولكن لننتظر أسبوعاً أو أسبوعين. من المتوقع أن يختفي من ذاكرتنا سريعاً، لأن الكتاب رغم كل شيء لم يذكر شيئاً جديداً، أو

يقدم دليلاً مدمراً للرئيس الأميركي يتسبب بالإطاحة به، كما وعد المؤلف.

 

اعتمد على أسلوب الثرثرات والنميمة في الكتابة الصحافية، وهذا نمط من التأليف شائع، ولا يوجد - تقريباً - زعيم سياسي لم يظهر له كتاب بعنوان "فضائح الرئيس" أو "الحياة السرية" أو "أسرار خطيرة"، كلها عناوين مثيرة، ولكنها صفراء تثير زوبعة عاطفية مؤقتة ولا

تترك أثراً عقلياً، وغالباً لا تسقط الرئيس ولا حتى الحراس الشخصيين. المؤلف والناشر هما فقط المستفيدان مادياً من هذه الكتب الفضائحية السطحية.

 

كتاب مايكل وولف قدَّم وعداً كبيراً من الصعب تخيل كيف سيحققه، وأعتقد أنه جزء من حملة ترويج الكتاب، حيث أكد أن الكتاب سيطيح بالرئيس، وكرر ذلك في مقابلات بعد النشر. حجته أن فريقاً داخل البيت الأبيض يناقشون ويفكرون بعزل ترمب، مستندين إلى المادة

الـ25 من الدستور التي تسمح لهم بنقل السلطة في حال عدم قدرة الرئيس على القيادة. كلام كبير وخطير ولكن الصحافي لم يعتمد على مصدر واحد معروف يدعم روايته، وعندما سُئل قال إنه حديث متداول بين كبار أعضاء الفريق من دون أن يسمي أحداً.

 

أمر غير منطقي آخر ذكره الكتاب، وهو أن كل أعضاء إدارة ترمب يشككون بعقله وقدرته العاطفية. قد يكون بعض الأشخاص يؤمنون بذلك، ولكن 100% منهم مقتنعون أنهم غير قادرين على القيادة. يبدو الأمر مبالغة صعبة البلع. وقد ظهر أعضاء من إدارة ترمب منهم

مدير الاستخبارات، مايكل بومبيو، الذي أوضح أن الكتاب مجرد سخافات وخيالات وغير معتمد على حقائق، وهو الشخص الذي يلتقي بالرئيس بشكل يومي ويعرف كيف يفكر ويقرر. نيكي هيلي ومستشاره ستيفن ميلر (وصفا الكتاب بكومة نفايات)، وتيلرسون وغيره كلهم نقضوا رواية وولف الذي يعتمد على مصدر واحد فقط. وبالمنطق البسيط يستحيل أن يجمع كلهم ويتفقون على قول شيء أمام ترمب وشيء آخر خلف ظهره، مثلما يحدث في المسلسلات البوليسية الرخيصة.

 

ما قيل إنه أقوى ما في الكتاب هو الحديث مع ستيف بانون. وبالفعل الكتاب بدون بانون لم يكن سيحقق هذه الإثارة، خصوصاً أن بانون كان مقرباً من ترمب وهو - بحد ذاته - شخصية مثيرة. ولكن ما قاله بانون بخصوص ابن ترمب ليس جديداً، ورغم أن بانون أبدى ندمه وسحب كلامه، وقال إنه لم يقصد اتهام الابن بالخيانة فإنه كان محقاً في تحليله، فما فعله الابن بلقائه المحامية الروسية - التي زعمت أن لها علاقة بالكرملين - كان خطأ فادحاً من ابن مندفع ساذج. مجرد فخ للإيقاع به ولم تكن لديها أي معلومات مهمة للقضاء على هيلاري كلنتون، كما ادعت. ولكن حديث المؤلف عن تشكيك بانون بقدرات ترمب مشكوك به، لأن بانون لم يتوقف عن دعم مديره السابق من خلال موقعه الشهير "بريتبارت نيوز" وظهوره التلفزيوني، ولكن مأخذه عليه مهادنته المؤسستين السياسية والمالية في واشنطن، وهما اللتان يريد بانون تدميرهما.

 

هناك شخصيات قابلت بانون بغرض تأليف كتب جديدة، وكلهم نفوا أن يكون كبير الاستراتيجيين السابق معادياً لترمب، أو يقول إنه مصاب بالخرف أو العته. فقط وولف هو من نقل هذه الرواية التي تقول إن ترمب غبيٌّ محاطٌ بالمهرجين.

 

تبنى المؤلف طريقة النقل وكأنه موجود داخل غرف البيت الأبيض، أو كأنه ذبابة متلصصة لا ينتبه أحد لوجودها. ولكنه في الحقيقة ينقل عن آخرين وهذا نقل مشكوك فيه، بسبب آلية "العنعنة" الضعيفة التي يعتمدها. وفي المقدمة اعترف المؤلف أنه سمع أقوالاً

متضاربة عن أحداث معينة، وقرر في النهاية أن يعتمد نسخة واحدة اعتبرها - شخصياً - الأصدق. ولكن هذا يزيد من الشكوك في أنه اختار الخيط الذي يقوده إلى المحصلة النهائية المسبقة التي شكلها في عقله قبل أن يضغط بأصبعه على الكيبورد ويطبع أول حرف

من الكتاب. مصداقية وولف اهتزت مرة أخرى عندما قال إن مراسلاً في الواشنطن بوست كان متواجداً في إفطار حضرته إيفانكا ترمب، الأمر الذي نفاه المراسل مؤكداً أنه كان ذلك اليوم في المستشفى يشهد ولادة طفله. اتضح فيما بعد أن المؤلف خلط بين اسمي

مايك ومارك.

 

ذكر الكتاب معلومات صحيحة، ولكن معروفة مثل أن ترمب ملول ولا يقرأ ولا يطيق الاستماع لفترات طويلة ومتفاخر ومتباهٍ بإنجازاته. ولكن حديثه عن عشق ترمب لأكل الماكدونالدز حتى لا يتسمم ونومه بغرفة بعيداً عن زوجته وحديثه عن زوجات أصدقائه ونظرته

الذكورية للنساء كل ذلك يأتي في سياق اغتيال الشخصية وتركيب الصورة للرئيس، الذي يعيش عداء وحشياً وشرساً مع الصحافة الليبرالية اليسارية، التي وصفته بالمهرج وسخرت منه - قبل خوض الانتخابات – ثم وصفته بالمجنون والمختل غير القادر على القيادة بعد الفوز. انتفاضة عارمة لم تهدأ منذ أكثر من عام وولف نجح في جمع كل هذه الروايات المتراكمة ووضعها في كتاب وبعنوان لافت. لكن السؤال المهم: هل سيقوم هذا الكتاب بالإطاحة بترمب؟

 

مُستبعَدٌ جداً أن يحدث بغياب دليل إدانة دامغ لم يظهر لحد هذا اليوم.

 

 

 

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

 

 

 

 


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.