ميراث الاصطفافات في ليبيا

تاريخ الإضافة السبت 20 يناير 2018 - 11:30 ص    عدد الزيارات 822    التعليقات 0     القسم سياسي

        


 

برزت ومنذ إعلان التحرير من نظام القذافي سنة 2011م على الساحة الليبية تيارات وتوجهات وصفوف مثلت التنوع الأيديولوجي والتناقض في الأهداف والتوجهات ، منها من تحكم فيه المبدأ ومنها من حركته النعرة الضيقة ومنه من توجهه مصادر المال السياسي ،

لتنتهي فترة شهر العسل بين هذه التيارات يوم كان همها فقط الإطاحة بنظام القذافي في أشهر الثورة ، ولتبدأ حتى لا تنتهي مرحلة اصطفافات كثيرة أثرت سلباً على الوضع السياسي والاقتصادي والأمني للدولة المترنحة .

 

بعد إعلان التحرير برز على الساحة في البلاد تياران ( حسب تقديري ) كانت السمتان البارزتان في كليهما هي من تحكمت في تسميتهما ، الأول إسلامي والثاني ليبرالي ، أما الإسلامي فقط ضم كل الحركات والتيارات والأحزاب والنخب بل وحتى الكتائب التي اتخذت من المرجعية الإسلامية منهجاً لها حيث الفتوى والإمام والحلال والحرام ، أما الليبرالي فضم كل من سبق تصنيفه واتخذ من النهج الليبرالي مسلكاً له ووضع عناوين براقة استهوت جماهيره كالدولة المدنية والديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان ولم يتنكر صراحة لمنهجية الإسلام بل ودافع عنها منذ البدء ولكنه صرح بأن تكون هذه المرجعية بعيدة عن الممارسة السياسية للدولة الليبية فيما يعرف بفصل الدين عن الدولة ، ولم يكن لوحده مستأثراً بعناوين الحريات العامة وحقوق الانسان فلقد تبنتها عديد الأطراف في التيار الإسلامي .

 

توج هذا الاصطفاف في انتخابات يوليو 2012م حيث تقاسم التياران مقاعد المؤتمر الوطني العام وإن كان التيار الليبرالي قد نال نصيباً أعلى من المقاعد البرلمانية كان نصيب الأسد منها لحزب تحالف القوى الوطنية بزعامة محمود جبريل ونصيب الأسد من مقاعد التيار الآخر لحزب العدالة والبناء بزعامة محمد صوان ، لتبدأ فصول المناكفة السياسية بين التيارين ومحاولة التحكم في مصير القرار التشريعي مستنداً كل تيار بكتائب مسلحة تسانده في تمرير قراراته كما حدث في تمرير قانون العزل السياسي ، واستمر هذا الاصطفاف يؤثر بشكل أو بآخر على سير حكومتي الكيب وزيدان محافظاً على زخمه وثبات تباين شخوصه .

 

بعد إعلان الضابط المتقاعد خليفة حفتر عن إنقلابه عبر تجميد المؤسسات السياسية والمدنية الذي طال الاعلان الدستوري وإطلاق عمليته الكرامة بدأ اصطفاف من نوع جديد يلوح في الأفق ، فبعد الإعلان عن هذه النية التي ألبسها ثوب مكافحة الإرهاب سارعت كثير من التيارات للانضمام إليه وأيضاً كثير من الكتائب العسكرية وانضم إليهم زعماء القبائل بالمنطقة الشرقية ليمثلوا تياراً جديداً ينظم لحركة التيارات المتوالدة في ليبيا فوفروا له الحاضنة الاجتماعية وسرعان ما سيطر على كامل المنطقة الشرقية  لينظم إليه بعد ذلك التيار الفيدرالي بكامل قواه السياسية والمدنية والعسكرية لتشكل عملية الكرامة تياراً جديداً جاذباً لعديد التيارات والنخب والكتائب المسلحة ، وفي المقابل وأثناء محاولة خليفة حفتر ضم المنطقة الغربية إليه سارع الطرف الآخر بإطلاق عملية جديدة مثلت ردة فعل على عملية الكرامة وسميت بعملية فجر ليبيا وقامت بطرد كافة الكتائب العسكرية التي أعلنت صراحة تبعيتها لقائد الكرامة حفتر وسرعان ما لحقت بهم الأحزاب والنخب والمؤسسات المدنية التي أعلنت أيضاً مباركتها له .

 

وبهذا الاصطفاف الجديد انقسمت ليبيا إلى شطرين جغرافيين الأول في المنطقة الغربية يمثله المؤتمر الوطني العام العائد بعد قرار للمحكمة والتيارات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية وجل كتائب الثوار تظلهم جميعاً عنونة فجر ليبيا ، والثاني يمثله البرلمان المنحل بقرار المحكمة والتيارات والأحزاب ذات التوجه الليبرالي وقلة من كتائب الثوار الذي انضمت اليهم كتائب كانت تدين بالولاء لمعمر القذافي وصارت تحارب تحت سلطان وعنونة عملية الكرامة ، وأقام الشطرين مؤسسات موازية كمصرفين مركزيين ودارين للإفتاء ومؤسستين للنفط بالإضافة لحكومتين .

 

وبعد فشل استقرار الدولة الوليدة في عهد هذا الاصطفاف ، ظهرت دعوات للوفاق والمصالحة الوطنية قادتها شخوص وتيارات بعينها من المعسكرين آملة في أن تنتهي حالة اللادولة التي تعيشها البلاد والتي خلصت إلى توقيع اتفاق الصخيرات والتي مرت بماراثون تحشيد طويل لهذا الخيار التصالحي أدى إلى تغير جوهري لأول مرة في مكونات المعسكرين حيث انتقل كثير من المؤثرين فيهما إلى التيار الجديد ومن بقى منهم رافضاً لهذا التوجه كونوا من حيث لا يعلمون هم أيضاً اصطفافاً جديداً مخالفاً لهذا التيار سمي بتيار الرافضين ، وكان من ميزات هذا الاصطفاف انهيار تيارات كانت قوية سابقاً كالتيار الإسلامي الذي تفرق جمعه بين مؤيد ورافض لخيار الصخيرات وأيضاً تيار عملية الكرامة بعد انسحاب تيارات كبرى به على رأسها التيار الفيدرالي ونخب التيار الليبرالي وأحزابه .

 

اليوم وبعد مضي سنوات على توقيع الاتفاق السياسي في الصخيرات المغربية وقيام حكومة الوفاق الوطني لم ترى البلاد استقراراً كالذي كان مأمولاً من وراء التحشيد لخيار الوفاق ، فاستفحلت الأزمات الخانقة والتي كان على رأسها النقص الحاد في السيولة النقدية وارتفاع سعر الدولار أمام الدينار الليبي مما أثر على معيشة المواطن وكان مرد كل ذلك تأثير الاصطفافات الأولى على سير الدولة وأسباب أخرى تخص الحكومة نفسها .

 

عمدت البعثة الأممية إلى ليبيا بالتشاور مع عديد الأطراف وعلى رأسها أطراف الوفاق الوطني إلى الاستعداد للاستحقاق الانتخابي الذي اختارت له نهاية عام 2018م لينهي عهد المؤسسات المتراكمة الناتجة عن انتخابات سابقة تسبب الاصطفاف المتواصل في عدم إنهائها فأصبحت مؤسسات موازية تدعي كل منها الشرعية باعتبار نتاجها عن الصندوق الانتخابي وأنها خيار الشعب .

 

ولأن جميع الظروف السياسية تتجه نحو هذا الخيار فلقد بدأ الاصطفاف هذه المرة يأخذ منحى جديداً ، فانضمام تيار جديد قديم إلى السباق السياسي مثل أهم منعرج به ، بقرار التيار المناصر للقذافي خوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة بكل ثقلها المؤسساتي والشعبي بل والدعاية للانتخابات بطريقة كبيرة وكأن خيار الديمقراطية يسري في عروقها وهي التي تنتهج مسلك القذافي المكفر لأدوات الديمقراطية الغربية ، وقد مثل هذا التوجه توجساً لعديد التيارات الأخرى كالتيار الثوري المتبقي من فرط عقد التيار الإسلامي الذي يخشى من عودة تيار القذافي ودولته عبر أدوات ديمقراطية ، وأيضاً مثل هذا التحشيد للانتخابات من طرف مناصري القذافي مخاوف التيار الليبرالي وعلى رأسهم تحالف القوى الوطنية الذي يرى تيار القذافي شخوصه كخونة خانوا دولة العقيد باعتبارهم موظفين كبار سابقين في دولته ، فقد يلجأ هذا التيار بعد فوزه بالانتخابات إلى إبعاد قسري لتيار القوى الوطنية عن الساحة السياسية بطريقة أو بأخرى ، والمخاوف لا تتوقف عند هؤلاء فقط ، فتيار عملية الكرامة الشبه منهار هو الآخر متوجس من تيار القذافي الذي يرى فيه قفزاً لعديد من مناصريه إلى سفينة تيار القذافي الذين هم في الأصل مناصروه ، وسيمثل فيه أي من شخوص تيار القذافي خياراً أفضل من خيار خليفة حفتر المنهك والخاسر من حرب بنغازي وعناد درنة .

 

أما تيار الوفاق الوطني والذي يضم كل العاملين على مدنية الدولة وسلامة التداول السلمي على السلطة فسيكونون أقل توجساً بالذات وإن حصنوا الدولة بدستور دائم يحميها من أي محاولات ومغامرات جديدة قديمة قد تكون في نيتها إرجاع عهد قديم بثوب مختلف .

 

التيار الثوري وتيار الوفاق وتيار الرفض و ما تبقى من تحالف الإسلاميين والتيار الليبرالي وتيار أنصار القذافي وغيرها من التيارات الصغيرة ستعاود هذه السنة تدوير اصطفافاتها وسينتقل بعض قواها من رقعة إلى أخرى لحين اكتمال خارطة التحالفات الجديدة والتي ستتحكم في القرار السياسي لسنوات قادمة وتؤثر به إما سلباً أو إيجاباً لينتظر المواطن انتهاء هذه التحركات لتنتهي أزماته وضنك معيشته ليعيد فقط مبدئياً استقراراً للعيش والأمن وهو الذي أجل أحلامه وأماله مراراً وتكراراً .

 

 


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.