ليبيا في ظل الدولة الفاطمية

تاريخ الإضافة الإثنين 24 فبراير 2020 - 12:35 م    عدد الزيارات 380    التعليقات 0     القسم منوع

        


بعد أن تكلّمنا عن الحقبتين الرومانية والبيزنطية في ليبيا، في بحثين سابقين، وصلنا، وفقًا للتسلسل التاريخي الزمني، إلى الكلام عن الحقبة الإسلامية في ليبيا، بدءً من الفتح الإسلامي على يد الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، وهو ما تناولناه في آخر بحث قبل بحثنا هذا، وفي هذا البحث سنكمل حديثنا عن الدول الإسلامية التي تعاقبت على حكم ليبيا، بدءً من الفاطميين الذين كان لهم شأن في الشمال الإفريقي، وخصوصا في مصر، وحتى سقوط آخر دولة إسلامية حكمت ليبيا، الدولة العثمانية.

وقبل أن نسهب في بحثنا يحسن بنا أن نقدّم بالتعريف بالدولة الفاطمية، وأهم ما يجب على القارئ أن يعرفه عنها لفهم بحثنا.

الدولة الفاطمية قامت في المغرب العربي زمن الدولة العباسية، واتخذت من المذهب الشيعي الإسماعيلي مذهبًا رسميًا لدولتهم، وأخذوا تحت هذا العنوان يضطهدون المسلمين لحملهم بالقوة على اعتناق مذهبهم. وقد شملت مناطق وأقاليم واسعة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، فامتدَّ نطاقها على طول الساحل المتوسطيّ من المغرب إلى مصر، ثم توسع الخلفاء الفاطميون أكثر فضموا إلى ممتلكاتهم جزيرة صقلية، والشام، والحجاز، فأضحت دولتهم أكبر دولةٍ استقلت عن الدولة العبَّاسية، والمنافس الرئيسي لها على زعامة الأراضي المقدسة وزعامة المسلمين.

استمرّت الدولة الفاطمية لأكثر من 250 عامًا حتى جاء الناصر صلاح الدين الأيوبي، فاتح القدس، وأنهى حكمها واستعاد مناطقها للمذهب السني، فكيف كان وضع ليبيا في ظل حكم هذه الدولة؟

في القرن العاشر ميلادي نشط الدعاة الشيعة في شمال أفريقيا، وجمعوا حولهم الكثير من الأتباع الليبيين، واستطاعوا السيطرة على تونس وليبيا، ثم استطاعوا، بمساعدة أكثر من مئة ألف من البربر، من السيطرة على مصر، واختطوا مدينة القاهرة عاصمة لهم.

والمتتبع للحقبة الفاطمية في ليبيا يجد أنها شهدت أحداثاً سياسية سيئة استمرت أكثر من 50 عاما ذاقت خلالها البلاد الأمرّين، وقاست ألواناً شتى من الظلم والاضطهاد ، وعانت ظروفاً صعبة من الحرمان.

ولو أردنا أن نعرف كيف كانت حالة ليبيا إبان حكم الفاطميين فيكفي في ذلك أن نسلط الضوء على سِيَر بعض الولاة الفاطميين الذين حكموا ليبيا، وعلى لمحة من الحالة العلمية وقتها، ثم نذكر نماذج عن الظلم الذي ارتُكب من قبل الفاطميين بحق أهل ليبيا.

كان الوالي ماكنون اللحياني أول والٍ فاطني على ليبيا، عينه عبيد الله المهدي ، زعيم الدولة الفاطمية. وقد انتهز البربر، في أيام ولايته، فرصة ابتداء العهد الجديد وعدم استقرار الأمور، فثارت قبيلتهم هوارة بزعامة أبي هارون الهواري، وانضم إليهم جماعات من قبيلتي زناتة ولماية، وغيرهما من القبائل البربرية، فحاصروا مدينة طرابلس، وتحصن واليها ماكنون داخل سورها، فأرسل المهدي نجدة بقيادة تمام بن معارك، فحارب البربر خارج المدينة وانتصر عليهم وأخمد ثورتهم، ثم أرسل رؤوس كثير من زعمائهم إلى المهدي.

ثم ثار أهل طرابلس سنة 300هـ، على هذا الوضع المشؤوم، وأخرجوا ماكنون الوالي منها، ولحق بالمهدي برقادة، وأغلق أهل طرابلس أبواب المدينة، وقتلوا من كان فيها من قبيلة كتامة أنصار ماكنون.

ثم تولى جباية أموال الضرائب رجل يقال له خليل بن إسحاق من أبناء جند طرابلس، وهو الذي أتم بناء جامع طرابلس الكبير في عهد الفاطميين، وبنى منارته، وقد قتله ابن كيداد اليفرني لما استولى على القيروان سنة 332هـ. وبعد أن استقرت الأمور في طرابلس رجع أبو القاسم الشيعي إلى رقادة جنوبي مدينة القيروان ومعه والي المدينة وبعض الرجال الآخرين، فقتلهم بعد أن طاف بهم في شوارع القيروان على الجمال تشهيرا بهم، وسميت المدينة برقادة لكثرة ما رقد فيها من القتلى.

ثم عاد الفاطميون واستولوا على برقة من جديد، ونصبوا أبو القاسم الشيعي واليا عليها، فثار أهل برقة عليه وقتلوه مع رجال كثير من كتامة، فأرسل المهدي الجيوش سنة 303هـ للانتقام منهم على ثورتهم، وقد استمرت حرب مدينة برقة وحصارها ثمانية عشر، حتى احتلت سنة 304هـ، وقُتل أكثر أهلها، وأُحرق كثيرا منهم، واستبيحت أموالهم، وبُعث بجماعة من وجوه أهلها إلى المهدي فأمر بقتلهم.

ثم ثارت نفوسة سنة 310هـ على حكم الفاطميين، وقدموا عليهم أحد رجالاتهم، ويُدعى “أبو بطة”، فعظم شأنه، وقويت شوكته، فأرسل إليهم عُبيد الله علي بن سلمان الداعي في جيش، فواجهه أهل نفوسة وقتلوا كثيرا من جنوده، وفر علي الداعي إلى طرابلس، ثم أمده عبيد الله بالجيوش وأعاد الكرة من جديد على نفوسة وأهلها وحاصرها ونكّل بأهلها.

تسلّم المعز لدين الله الفاطمي رئاسة الدولة الفاطمية عام 341هـ، وهو الخليفة الفاطمي الرابع، ثم في سنة 342هـ، ولّى المعز باسيل الصقلي عاملا على سرت، وولى على إجدابية ابن كافي الكتامي، وولى على برقة وأعمالها أفلح الكتامي. وقد أرسل جيشا عرمرما بقيادة جوهر الصقلي سنة 358هـ لغزو مصر. وبعد مسير خمسة أشهر دخلها دون عناء، وفي سنة 362هـ رحل المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر، مستخلفا عبد الله بن يخلف الكتامي على طرابلس وسرت وبرقة.

دخل المعز إلى طرابلس عام 362هـ، وكان معه جماعة من الإباضية، ثم رحل عنها في نفس العام ليصل إلى سرت ثم توجه إلى أجدابيا، إلى قصر بني له فيها، ثم رحل عنها ونزل بقصره المعروف بالمعزية، وهو ما يعرف بالعزيات اليوم في الجبل الأخضر، حيث ما زالت بهذا المكان آثار بناء قديم.

وقد حدث أن اتصل الشاعر ابن هانئ الأندلسي بالمعز في القيروان سنة 350هـ، وصحبه في رحلته إلى مصر قائلا فيه قصائد مدح طويلة، وفي أثناء مرورهما ببرقة اغتيل ابن هانئ وهو في الثانية والأربعين من عمره نتيجة التآمر عليه من خصومه السياسيين والأدباء، الذين رأوا له من الحظوة ما لا يستحق عند المعز، وقد وجد مقتولا عند ساحل البحر في برقة ولم يعرف قاتله.

 

الحالة العلمية في ليبيا أيام الفاطميين:

انحسرت الحالة العلمية انحساراً شديداً أيام حكم الفاطميين بسبب الاضطهاد الفكري والسياسي الذي مُورس على أهل المذاهب الأخرى، مما أدى إلى نشوب إحدى أعنف معارك الفكر والسياسة والهوية في ذلك الوقت ، معركة امتدت لأكثر من نصف قرن، أتى فيها الاستبداد على كافة مناحي الحياة، فاضطربت الأمور، وعاش الناس في ذعر لا مثيل له، عُلقت فيه أجساد الأبرياء على أعواد المشانق، وعُذب الفقهاء، وكُممت أفواههم، وأُحرقت مصنفاتهم، وحُرِّمت الفتوى بالمذهب المالكي، ومُنع التدريس في المساجد، ومُنعت التجمعات، وزيد في الأذان ما ليس منه، وقُطعت صلاة الضحى وصلاة القيام في رمضان، إلى غير ذلك من مظاهر القمع وأشكال الاضطهاد التي كانت أحياناً بأسباب طائفية مذهبية دينية بحتة، وأحياناً أخرى بأهواء الأمراء وأمزجتهم الحاقدة على أهل ليبيا.

 

من مشاهد القمع والاستبداد:

وقعت حادثة شهيرة مع قاضي برقة آنذاك “محمد بن إسحاق الحبلي” (تـ 341هـ)، وذلك حينما أتاه عامل برقة المعروف بابن كافي، فقال له : إن غداً العيد، فرد قائلاً: إن رُئي الهلال الليلة كان ما قلت، وإن لم يُرَ لا أخرج، لأنه لا يمكنني أن أُفطر الناس يوماً من رمضان وأتقلد ذنوب العباد. فقال له: بهذا وصل كتاب مولاي، فالتمس الناس الهلال تلك الليلة فلم يروه، فأصبح العامل إلى القاضي بالطبول وهيئة العيد، فقال له: لا والله لا أخرج ولا أخطب ولا أصلي العيد، ولا أتقلد أن أُفطر الناس يوماً من رمضان ولو علقت بيدي. فمضى العامل فجعل من خطب وصلى، وكتب بما جرى إلى مولاه الفاطمي، فلما وصل إليه الخبر أمر برفعه إليه، وحينما وصل قال له: إما أن تتنصل وأعفو عنك، وإلا فعلت بك ما قلت، فامتنع من الدخول في دعوته، قائلاً له : امتثل ما شئت، فنصب له عموداً خشبياً عند الباب الأخير من أبواب الجامع الذي يلي درب المهدي، وعلق بيديه في الشمس، فأقام كذلك بارزاً للشمس في شدة الحر يومَه ذلك، وكان يطلب من يسقيه الماء فلا يجسر أحد من الناس أن يفعل لخوفهم من الفاطميين، وبقي إلى أن مات، فلما مات أخذوه ومضوا به فصلبوه على خشبة عند “باب أبي الربيع” في المدينة رحمه الله تعالى.

أيضا مشهد آخر من مشاهد الظلم الذي وقع في أيام الفاطميين، حيث كان حباسة الكتامي مستبدا قاسيا في ولايته على برقة والأجزاء الشرقية من ليبيا، ولم تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلا، فكان لا يفي بوعد، وكلما دخل مدينة قتل من أهلها وأخذ أموالهم، وذات مرة وجد جماعة في برقة يلعبون بالحمام فأمر بهم، فأجلسوا حول نار، وأمر بلحومهم أن تُقطع وتُشوى، ثم أمر بهم فألقوا في النار، ونادى في برقة: “من أراد العطاء فليأت إلينا”، فحضر إليه من الغد نحو ألف رجل، فأمر بهم فقتلوا جميعا، ثم وضع جثثهم بعضها على بعض، وجيء له بكرسي، فوُضع على الجثث وجلس عليه، وأمر بالوجهاء من أهل البلد فدخلوا عليه، فحبسهم وأهانهم، وقد مات منهم جماعة من فظاعة ما رأوا، وقال لهم : إن لم تأتوني غدا بمائة ألف مثقال قتلتكم جميعا، فأحضروها له.

وكان أن قتل حباسة في هذه السنة “حارثا” و”نزارا”، ابني جمال المزاتي، في نفر من أبناء عمومتهم في مدينة برقة، وباع نساءهم، وأخذ جميع أموالهم، وقد ضاق أهل برقة بقبيح أفعاله، فشكوه إلى عبيد الله المهدي، فاعتذر وحلف أنه ما أمر بشيء من ذلك، وكتب إلى حباسة أن يرحل عن برقة، فرحل إلى جهة مصر، وأتى أمورا أقبح مما كان يفعله في برقة.

هذه نُبذٌ قليلة من ناريخ ليبيا أيام الفاطميين، وقد دفع أهل ليبيا ثمن ثباتهم على الحف ومعارضتهم لأفعال الفاطميين وظلمهم، فوقعت فيهم مقتلةٌ عظيمة، وارتقى منهم كثيرٌ من الشهداء، واستطاعوا الثبات على معتقداتهم ومبادئهم حتى انتهت العهد الفاطمة، وانقشعت غمامة الجهل عنهم.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.