مرضى الديسفازيا بالجزائر يواجهون المعاناة بالإبداع

تاريخ الإضافة الإثنين 5 مارس 2018 - 12:45 م    عدد الزيارات 1187    التعليقات 0    القسم العرب، أخبار، الجزائر

        



في إحدى الحجرات بمقر جمعية "أضواء" في أعالي الجزائر العاصمة، تنفرد الخبيرة في علم النفس الأرطفوني (اضطرابات اللغة) قموري نعيمة بالطفل حمزة المصاب بالدّيسفازيا تترقب وتنتظر طريقة تعامله مع لعبة منحتها له.

حمزة شرع بيديه الصغيرتين في تفكيك ألغاز تلك اللعبة بوضع قطع بلاستيكية مختلفة الألوان كانت داخل علبة في مكانها المخصص على ورقة وضعت أمامه على الطاولة، وبدقة وبأناة تجاوز ذلك التحدي، وكسب الرهان.

حمزة وكغيره من الأطفال المنتسبين "لجمعية مستقبل اضطراب النطق لولاية الجزائر" (جمعية أضواء) يعانون من اضطراب الديسفازيا، وهو اضطراب عميق للنمو اللغوي لدى الأطفال غير مرتبط بسبب عضوي معروف.

وتظهر أعراض الديسفازيا بعد سن السادسة في شكل اضطراب في تنظيم الكلام الذي لا يبنى على أساس يشبه الكلام العادي، حيث يعيش الطفل في عالمه اللغوي الخاص، ومن أهم أعراض هذا المرض اضطراب حركي فموي نطقي وتعبير فقير، واضطراب إدراكي سمعي، واضطراب في مفاهيم الزمن، والمقارنة والتسلسل.


الطفل حمزة مع مختصة في الأرطفونيا (الجزيرة)
وفي مكتبها المحفوف بذكريات تعود لعقدين من الزمن، تروي دراعة ليندة نائب رئيس الجمعية للجزيرة نت ظروف إنشاء هذه الجمعية، حيث أشارت بيدها إلى خزانة مركونة بإحدى زوايا المكتب في درجها العلوي وفيها صورة لامرأة غادرت الحياة بعد أن تركت إرثا جميلا وضعت دعائمه الأولى مع زوجها الطيب شرفاوي، وهو إنشاء الجمعية التي يرأسها زوجها منذ النشأة عام 2000.

الجمعية التي ولدت من رحم معاناة عاشها شرفاوي مع زوجته الراحلة بعد أن رزقا بطفل أصيب بهذا الاضطراب، فكانا بين خيارين: إما "نقله لفرنسا من أجل العلاج وتحمل التكاليف الباهظة، أو التفكير في إيجاد حل لابنهم داخل الجزائر، فكانت فكرة تأسيس جمعية ترعى ابنهم وترعى المرضى بهذا الاضطراب الذي يهدد مستقبل الأطفال المصابين به في ظل غياب الرعاية".

مدرسة متخصصة
ولأن المدارس العادية تمتنع عن استقبال هؤلاء الأطفال، برزت الحاجة لإنشاء مدرسة متخصصة؛ لذلك تحولت الجمعية بعد نشأتها بعام فقط إلى مدرسة خاصة للمصابين بالديسفازيا، وفتحت أبوابها للطلبة بسبعة أطفال، وبدأت في التوسع إلى أن باتت اليوم تضم بين أقسامها سبعين منتسبا بين السادسة والمراهقة.


دراعة ليندة نائب رئيس الجمعية تستعرض مجموعة من الأعمال لمنتسبي المدرسة (الجزيرة)
المدرسة التي تدرس مناهج فرنسية وبلجيكية، تعتمد على الحرف والأشغال اليدوية لتنمية حس الإدراك والمعرفة والفهم لدى منتسبيها، فإذا كان القدر -حسب دراعة- "حرمهم من قدراتهم الذهنية والعقلية فقد منحهم قدرات هائلة في مجال الحرف اليدوية".

وتحولت الورشة التي نظمتها إدارة المدرسة في إحدى زواياها إلى ساحة وفضاء إبداع في مختلف الفنون، مثل الرسم التشكيلي، والرسم على القماش والزجاج والخزف، وخياطة المنتجات الجلدية والطرز، وفنون الطبخ.

ورشة للفنون
ومن خلال برنامج يومي، وعلى مدار الأسبوع، يتم تنفيذ الدروس النظرية وإسقاط المعلومات التي يتلقاها التلاميذ عبر ستة مستويات مبسطة، عبر أشغال يدوية في ورشات للرسم، والإعلام الآلي، والخياطة، والمسرح، والكورال، وفنون الطبخ، تحت إشراف خبراء في مجالات متعددة مثل الأطباء والمختصين في علم النفس والأرطفونيا وغيرهم.

هذه المنهجية -حسب الأرطفونية والأستاذة بجامعة الجزائر بوريدح نفيسة- أعطت نتائج مبهرة ومشجعة جدا، ومكنت هؤلاء الأطفال المصابين بهذا الاضطراب من "الذهاب بعيدا في استيعاب ما يتلقونه من معلومات ومعارف".

وتزين اللوحات التشكيلية جنبات الرواق الرئيسي للمدرسة، وتأخذك في رحاب واسع من الجمال اللامتناهي بإبداعات أنامل الفنانين شرفاوي عادل، وبن ساري كامليا، ودرعان نسرين، والمبدع مالكي نائل، الذي وصفت دراعة أعماله الفنية "بالمبهرة"، وأنها "تستنطق مشاعر الإنسان وتزعزع ذاته وكيانه".


لوحة فنية من رسم أحد منتسبي مدرسة جمعية أضواء (الجزيرة)
إبداعات هؤلاء الأطفال مكنتهم من المشاركة في أكثر من 12 معرضا فنيا بالجزائر، آخرها معرض أقيم في مايو/أيار الماضي بمناسبة لقاء علمي نظمته الجمعية في رحاب المكتبة الوطنية.

حياة مستقلة
ولأن مراكز التكوين المهني لا تستقبلهم بعد إتمام الدراسة، برزت الحاجة لخلق فضاء يمكّن هؤلاء المرضى من تجسيد وتنفيذ أفكارهم الإبداعية، ويمكنهم من العيش كأفراد عاديين ومستقلين في المجتمع بخلق مصدر للدخل.

ولذلك تم وضع ورشة المدرسة تحت تصرفهم، فتحولت إلى مصدر لكسب الرزق ببيع الرسوم ومختلف المنتجات الجلدية، خاصة الحقائب.

التجربة التي تختتم عقدها الثاني، يمنّي أصحابها النفس بدخول العقد الثالث بمقر أوسع وأرحب يضم بين جنباته عددا أكبر من المصابين بهذا الاضطراب، من أجل رعايتهم والأخذ بيدهم نحو برّ الأمان، خاصة أن الجزائر -حسب دراعة- "تشهد انتشارا واسعا له".

ورغم عدم وجود إحصائيات دقيقة تحصي عدد المصابين بهذا المرض، فإنها تقول إن "حلم الحصول على قطعة أرض لبناء مدرسة جديدة وواسعة هو الحلم المنشود والمنتظر منذ سنوات".