تونس..صناعة الفخار بنابل.. إرث يترك بصمة خالدة

تاريخ الإضافة الإثنين 5 مارس 2018 - 12:51 م    عدد الزيارات 1079    التعليقات 0    القسم العرب، أخبار، تونس

        


يغمس محمد قنّر "الملاس" -أو صانع الفخار العربي- يديه كل مرة في وعاء مملوء بالماء ليبللها، قبل أن يطوع بأصابعه وكفيه عجين الطين المثبت على صفيح دوار، فيصنع أشكالا فخارية جميلة مختلفة الأحجام في ورشته بحي الأفران القديمة في محافظة نابل الشمالية المشهورة بالفخار.
يبدو الرجل مستمتعا بأغاني الفنان التونسي الراحل الهادي الجويني المنبعثة من مذياع قديم بجواره، وهو يحدق بعينين ثاقبتين في حركاته بينما يغرق بسلاسة يديه في عمق كتلة الطين ليجعلها تأخذ شكل وعاء كبير يسمى "البرامل"، وهو عبارة عن إناء زهور يستخدم للديكور.

عند إتمام قطعته يوقف "الملاس" تدوير الصفيح برجليه أسفل الطاولة، ثم يلتقطها بعناية ليضعها قرب أخواتها المتشابهة طولا وعرضا وعمقا بقياس غريزي لا يعرف احتسابه غير أرباب صناعة الفخار المتوارثين هذا التقليد العريق عن أجدادهم القدامى الذين تركوا بصمة خالدة. 

لا يكاد قنر (46 عاما) ينتهي من تحويل قوالب الصلصال المرصفة فوق طاولته إلى أوعية فخارية حتى يجلب له صانعه قوالب صلصال أخرى يستخرجها من آلة القولبة بعدما يضع فيها عجين الطين اللين المغربل سابقا من الحصى والرواسب، فيواصل "الملاس" عمله بلا توقف.


شوارع نابل تنتشر على جنباتها المنتجات الفخارية (الجزيرة)
صناعة عتيقة
في جانب آخر من الورشة المليئة بالقلل والزير والأواني والصحون وأجسام آلات الإيقاع (الدربوكة)، يملأ أحد العمال بمجرفته الطويلة كميات من "الكرود"، وهي عبارة عن كتل من الطين الأولية غير المغربلة يتم رشها بالماء وتنقيتها ثم عجنها وقولبتها لتكون جاهزة للتمليس.

بعد تشكيل كميات من أواني الزهور الكبيرة، يجمع قنر مع عماله القطع الفخارية على أرضية مسطحة لتستنشق الهواء الجاف على مهل حتى تتماسك، قبل أن يضعها لاحقا فوق بعض في شكل أعمدة داخل "الفرن العربي" الموقد بالحطب و"الفيتروة"، أي فواضل معاصر الزيتون.

توضع الأواني الجاهزة للحرق على أرضية مثقوبة في الفرن الحجري، ثم يغلقه قنر ويشحن قاعه المحفور تحت الأرض بقطع من الحطب الجاف المكدس أمام ورشته المسودة بأعمدة الدخان المنبعث من الأفران المجاورة، ثم يوقد النار في قليل من الحطب لتستوي القطع ببطء.


متاجر الفخار تنتشر بكثرة في محافظة نابل (الجزيرة)
يقول قنر الذي ورث الورشة عن أبيه الذي لقنه في صغره أسرار هذه الصناعة العتيقة، إنه يمضي أربعة أيام متتالية في حرق الأواني المخزنة داخل الفرن بدرجات حرارة تتدرج كل يوم في الصعود ليصل أقصاها إلى 800 درجة، حتى تصبح صلبة غير قابلة للانشقاق أو التآكل.

عقب مرور هذا الأجل يستخرج قنر وعماله الأواني ويرصونها بانتظام في المساحات الشاغرة داخل الورشة، ثم ينتظر أن يأتيه رزقه من السماء. وبسبب كساد السوق الداخلية وتراجع السواح وتضرر السوق الليبية جراء الحرب، يواجه محمد مصاعب كبيرة بيد أنه يبدو صبورا ومتفائلا.

وهذا حال أغلب صناع الفخار بحي الأفران القديمة الواقعة على مشارف مدينة نابل الساحلية، إذ ينتجون كميات كبيرة من الأواني الفخارية كل أربعة أيام، آملين أن يأتي إليهم التجار لشراء سلعهم بأسعار بخسة، لكن في عديد الأحيان تخيب آمالهم ولا يبيعون شيئا، حسب قوله.


الشابة كريمة دشراوي تمسك ببعض منتجاتها الفخارية العصرية الشبيهة بالخزف الأبيض (الجزيرة نت)
جيل جديد
ورغم صعوبة هذا العمل، اختارت الشابة كريمة دشراوي (32 عاما) خريجة معهد الفنون الجميلة بنابل في اختصاص صناعة الخزف؛ أن تخوض تجربتها بمفردها في صناعة الفخار، مستأجرة ورشة خاصة بها فرن عصري لإنتاج قطع فخار مبتكرة تصممها وتزركشها بالأوكسيد.

تخرجت كريمة عام 2013، لكنها قبل ذلك استطاعت بفضل شغفها بصناعة الفخار أن تدرس وتعمل بآن واحد في منزلها، حيث تصنع مربعات الخزف المستخدمة في البناء وفي ورشات خاصة بمقابل مادي مكنها من تمويل دراستها وعيشتها، بل ادخرت أيضا بعض المال.

قبل سنتين بعثت الشابة مشروعها الخاص بحي الأفران القديمة برأسمال بلغ 20 ألف دينار (سبعة آلاف دولار) مولت خمسه بقرض من ديوان الصناعات التقليدية والبقية من ادخارها، واليوم باتت تصنع منتجاتها الخاصة اعتمادا على مادة الطين الأبيض الشبيهة تقريبا بالخزف.

اختارت كريمة عدم الحصول على قرض أكبر للنزول بثقلها في مجال صناعة الفخار محاولة التماس أغوار هذه الصناعة بالتدرج والاستفادة من التجربة، وهذا مكنها من الوقوف على عدة مصاعب أهمها ارتفاع كلفة منتجاتها العصرية بسبب غلاء المواد الأولية وضعف التسويق.

قبل بضعة أشهر نجحت الشابة بفضل ابتكاراتها وموادها الحرفية المستخدمة بالتزويق والديكور؛ في لفت انتباه الزبائن أثناء مشاركتها في معرض مخصص لديكور المنازل بالعاصمة تونس، وهي تستعد للمشاركة قريبا في معرض جديد للترويج لمنتجاتها، آملة أن تضع قدمها بالسوق.


المصدر: الجزيرة