دروس ليبية بعد 10 سنوات من الإطاحة بالقذافي

تاريخ الإضافة الثلاثاء 27 أبريل 2021 - 3:47 م    عدد الزيارات 45    التعليقات 0    القسم ليبيا

        


نشرت صحيفة "الغارديان" مقالا مطولا سلطت فيه الضوء على القضية الليبية.

وحسب المقال الذي كتبه الصحفي بيتر بيمونت فإنه بسبب طغيان سفك الدماء في سوريا على مدى العقد الماضي على المشهد فإن الدروس من سقوط القذافي والصراعات التي تلت ذلك، بالكاد تم فحصها، وإذا حدث ذلك، فقد تم نسيانها. وألقى الصراع أيضا بظلاله على العلاقات الدولية وعلى سمعة البعض.

وفيما يلي نص المقال:

الأيام الأخيرة للعقيد الليبي معمر القذافي قبل 10 سنوات تعيد للذهن صورا من التحدي والهزيمة والموت.

وفي آذار/ مارس 2011، في واحدة من آخر المرات التي ظهر فيها علنيا ومع تمرد ضد نظامه يحاصره، وصل الزعيم الذي سيطاح به قريبا إلى مؤتمر الشعب في طرابلس على عربة غولف كهربائية.

دخل القاعة، ووجهه منتفخ، وظهرت عليه تجاعيد الشيخوخة، رفع القذافي قبضته قبل إلقاء خطاب مطول وغير منتظم على "ممثلي الشعب" المجتمعين، وزمجر بأن الليبيين "سيقاتلون حتى آخر رجل وامرأة" ضد الأجانب إذا تدخل الناتو.

عرض المال، ووضع دستورا جديدا، إذا ما تخلى المتمردون ضد حكمه عن قتالهم، وألقى باللوم على القاعدة والجهات الفاعلة الأخرى، وحذر الليبيين من أنهم سيعودون "عبيدا مرة أخرى" إذا رحل.

في شوارع دولته البوليسية خارج مجلس الشعب وممثليه المطيعين، كان مفهوم القذافي عن الحرية أكثر وضوحا: الأشخاص الذين أعلنوا معارضتهم اختفوا وقتلوا، ووضعت البلدات والمدن تحت الحصار.

بحلول آب/ أغسطس، "اختفت" دائرته المقربة، وهربت من طرابلس، بعد أن دخلت طائرات حلف شمال الأطلسي بقيادة بريطانيا وفرنسا الحرب، وقادت سيطرتهم الجوية على عكس النتيجة بشكل حاسم لصالح الثوار.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر، مع تشديد خناق قوات الثوار المناطق القليلة الأخيرة التي ما زالت قواته تسيطر عليها في مدينة سرت، حاول القذافي -الذي اختفى عن الأنظار- الخروج من الحصار، وتم القبض عليه، وقتل في النهاية في أثناء اختبائه في عبّارة ماء.

بالنظر إلى الوراء، كانت تلك المعركة الأخيرة في سرت هي التي أبرزت الكثير مما سيأتي لاحقا، بما في ذلك النزاعات الداخلية بين الشرق والغرب، والمدن المتنافسة.

اتسمت تلك المعركة بقتال شوارع مر، حيث تقاربت كتائب الثوار المتنافسة من بنغازي ومصراتة على آخر معقل للواجهة البحرية للنظام، وتخوض أحيانا في المياه العميقة في الشوارع التي غمرتها الفيضانات، حتى في ذلك الوقت بدا المتمردون في كثير من الأحيان على خلاف حاد.

وبسبب طغيان سفك الدماء في سوريا على مدى العقد الماضي على المشهد فإن الدروس من سقوط القذافي والصراعات التي تلت ذلك، بالكاد تم فحصها، وإذا حدث ذلك، فقد تم نسيانها. وألقى الصراع أيضا بظلاله على العلاقات الدولية وعلى سمعة البعض.

في عام 2016، تحدث باراك أوباما عن خيبة أمله من الجهود الأوروبية التي أعقبت سقوط القذافي، مشيرا، على وجه الخصوص، إلى أن ديفيد كاميرون كان "مشتتا" وأن ذلك ساهم في "الفوضى" التي تلت ذلك. بالنسبة للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، فإن الخلاف كان أكثر شخصية وجدية: رؤيته متورطا في اتهامات بأنه أخذ أموال حملته الانتخابية من القذافي لانتخابه عام 2007.

تم اعتبار التدخل في الأصل بمثابة تدخل إنساني نموذجي بموجب عقيدة المسؤولية عن الحماية. بعد عامين تقريبا من سقوط القذافي، كان آلان كوبرمان في مجلة الأمن الدولي يصور ليبيا ليس كقصة نجاح بل مثال حالة عن الطريقة الخطأ للتدخل.

وبحلول عام 2016، كان رئيس لجنة اختيار الشؤون الخارجية في مجلس العموم، النائب المحافظ كريسبين بلانت، قاسيا بنفس القدر للتدخل المدعوم من رئيس وزراء حزب المحافظين آنذاك ديفيد كاميرون.

وأشار إلى أنه في حين أن "سياسة المملكة المتحدة في ليبيا كانت مدفوعة في البداية بالرغبة في حماية المدنيين"، إلا أنه أضاف:" نحن لا نقبل أنها (المملكة المتحدة) فهمت تداعيات ذلك، والتي تشمل انهيار الدولة وفشل الاستقرار وتسهيل التطرف الإسلامي في ليبيا".

والحقيقة أن التوترات في ليبيا مقارنة بدول العالم العربي ما عدا ربما سوريا كانت دائما مفهومة بشكل أقل من دوافع الانتفاضات في مصر وتونس، حيث كان هناك حركات سياسية وإن كانت مقموعة.

وكان الخلاف في أعقاب سقوط القذافي سريعا كما لم يكن متوقعا.

وسرعان ما تبعثر مخزون الأسلحة الكبير الذي كان يحتفظ به النظام مما ساهم في زعزعة الاستقرار في المنطقة الأوسع، وليس أقلها مالي.

نزح عشرات الآلاف من المهاجرين الأفارقة في ليبيا، الذين لم يعودوا موضع ترحيب، في بداية أزمة الهجرة المعقدة التي ستشهد فيما بعد ليبيا طريقا إلى أوروبا والاتجار بالبشر على نطاق واسع.

وسمح فراغ السلطة الذي ظهر بازدهار الجماعات الجهادية.
وقد وصفت زاهية الزبير جميع المخاطر بصدق في عام 2012 في مجلة "فورين أفيرز"، وحذرت من أن ليبيا تخاطر بالانقسام وسط المنافسة بين الجماعات المسلحة. "التحدي الرئيسي لليبيا ... هو تجنب التقسيم، كما حدث في السودان - أو ما هو أسوأ،" الصوملة "حيث لا تستطيع الدولة السيطرة على الميليشيات المختلفة التي تفرض قوانينها الخاصة على أراضيها".

في بعض الأحيان، تسبب التصدع بالعودة إلى حقبة ما قبل العصر الحديث لدول المدن، ولكل منها جيشها الخاص، وتحرسه نقاط التفتيش وبوابات المدن التي تتألف من حاويات الشاحنات والخردة المعدنية.

كما لاحظت كلوديا غازيني، المتخصصة في شؤون ليبيا في مجموعة الأزمات والتي تابعت عن كثب الأحداث في البلاد على مدار العقد الماضي، فإن إعدام القذافي دون محاكمة في سرت محاطا بأعدائه، وتم تصويره في مقطع فيديو مروّع، بعيدا عن كونه علامة على نهاية عنف الدولة في ليبيا. فقط جعل العنف أكثر انتشارا.

وبالنسبة لغازيني، ليس من الواضح إن كان نظام القذافي قد أُطيح به على الإطلاق لولا تدخل الناتو.

وقالت: "إذا بدأت بالتدخل بقيادة الناتو، فإن الدرس الكبير المستفاد هو أن هذا زرع بذور الفوضى التي أعقبت ذلك. وأدى الاحتجاج المثالي للغاية بالمسؤولية عن الحماية إلى تغيير كامل وعنيف للنظام.. الطريقة التي قُتل بها القذافي بالرصاص رسخت فكرة أنه لا بأس بالقتل، فلا بأس من اقتحام أماكن مثل ترهونة وبني وليد. لقد كانت ثقافة تم فيها تمكين الميليشيات من ضرب أي شخص يعتقدون أنه مرتبط بالنظام".

وأشارت غازيني وآخرون إلى أن ليبيا تفتقر حتى إلى أكثر الخطط سطحية بعد سقوط النظام، وانقسمت إلى ميليشيات إقليمية ومدنية حاولت استخدام قوة أسلحتها للمساومة على السلطة السياسية - بما في ذلك السيطرة على الوزارات. وقد أتاح ذلك وسيلة لزيادة التدخل الخارجي ليس فقط من قبل اللاعبين الإقليميين، بما في ذلك في الخليج وتركيا، ولكن الجماعات الإسلامية العنيفة أيضا.

في ورقة بحثية لمجلة "تشاتام هاوس" قبل عامين لاستقصاء الآثار الطويلة العنيفة لسقوط القذافي، جادل جرجس فهمي بأن تجربة ليبيا كانت لها أيضا تداعيات واسعة لتحول البلدان من دول استبدادية.

واقترح فهمي أن "اللجوء إلى العنف هو أسرع وسيلة لإنهاء أي أمل في التغيير الديمقراطي.. المتظاهرون الذين قرروا حمل السلاح عرضوا على أنظمتهم الفرصة لإعادة تأطير الانتفاضات السياسية على أنها حرب أهلية، كما كان الحال في سوريا. حتى عندما تنجح الجماعات المسلحة في إسقاط النظام، فإن وجودها يهدد المرحلة الانتقالية بعد ذلك، كما الحال في ليبيا".

في ليبيا، التي شهدت في البداية جماعات كثيرة، حددتها الولاءات القبلية والإقليمية في انقسام البلاد بين الشرق والغرب، تتنافس على كل من الغنائم السياسية والمناطق الغنية بالموارد الطبيعية بما في ذلك المدن الرئيسية مثل مصراتة والزنتان.

وكانت المنافسة بين شرق البلاد "برقة" وبنغازي والمناطق التي تسيطر عليها الحكومة في طرابلس في الغرب مزعزعة للاستقرار بنفس المقدار.

وكما توضح غازيني، فإن التنافس في ليبيا ما بعد القذافي كان غالبا متداخلا بشكل خطير وتفاقم بسبب المخاوف الدولية، بما في ذلك اهتمام الاتحاد الأوروبي بالأمن وإغلاق طرق الهجرة إلى أوروبا.

وقالت: "لم تكن هناك خطة دولية لبناء الدولة باستثناء فكرة إنشاء بعثة للأمم المتحدة للذهاب وتنظيم الانتخابات .. لم تكن هناك إرادة قوية أو قدرة على أي شيء آخر".

ثم كان هناك نهج المجتمع الدولي الغامض لدعم احتياجات قطاع الأمن الليبي وفشل في الاعتراف بوجود شبكة جهادية اخطبوطية كانت تشق طريقها وما ترتب على ذلك من استقطاب في الخطاب حول الجماعات المتطرفة لأغراض سياسية من جميع الأطراف.

عندما يُنظر إلى الجماعات الجهادية على أنها تهديد، كان الرد هو عكس هذه القضية لمن يُنظر إليهم على أنهم يقاتلون ضدهم، ليس أقلهم في ذلك أمير الحرب الشرقي خليفة حفتر الذي جعلته طموحاته لاحقا يحاصر الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس في محاولة فاشلة للسلطة.

باسم مكافحة الإرهاب، حصل حفتر على دعم عدد من الجهات الأجنبية بما في ذلك الإمارات ومصر وروسيا وفرنسا والسعودية. وأدى ذلك بدوره إلى تفاقم التوترات في المنطقة بين تركيا - التي تحركت لدعم الحكومة في طرابلس - والإمارات ومصر.

يخشى إساندر العمراني، الخبير في شؤون المنطقة الآن مع مؤسسات المجتمع المفتوح في عمان، من ضياع بعض الدروس فيما يراه أحيانا نقاشا "غير أمينا" ومحورا بين أولئك الذين عارضوا التدخل في المقام الأول وبين أنصاره.

"يتجاهل أولئك الذين يشيرون إلى ظهور داعش وانهيار البلاد إلى أمراء الحرب حقيقة أنه كان هناك خطر حقيقي لوقوع مذبحة (من قبل قوات القذافي في مركز الثوار) في بنغازي في عام 2011 وأن عددا كبيرا من الليبيين كانوا يطالبون بالتدخل".

بدلا من ذلك، كما يقول العمراني، سيشعر كبار المسؤولين الروس - بمن فيهم فلاديمير بوتين الذي دعم الدعوات للتدخل تحت شعار مسؤولية الحماية - "بأنه خدع" بسبب ما تحول إلى تدخل لتغيير النظام. ويقول إنه كان خيانة للثقة ربما يكون قد "قتل" مناشدات (التدخل) على مبدأ مسؤولية الحماية "لعقود قادمة".

"ليبيا، على ما هي عليه، تلخص فوضى سياسات القوى العظمى كما هي الآن. لم تكن هناك قيادة دولية موحدة. لا توجد قيادة أمريكية بعد أن ابتعد الأمريكيون عن عملية السلام من 2014-2017 بعد وصول ترامب إلى السلطة. لم يكن هناك أي اهتمام باستثناء مكافحة الإرهاب".

ومع ذلك، فإن كلا من غازيني والعمراني أكثر تفاؤلا بشأن عملية السلام المتجددة التي تبرز سأم الناس من الحرب في ليبيا بعد عقد من الصراعات.

وقالت غازيني: "يبدو أن هناك إرهاقا حقيقيا من الحرب في جميع أنحاء البلاد. لكن يبدو أن الليبيين قد عادوا إلى رشدهم ويريدون ليبيا التي حرموا منها في جولات الحرب المختلفة والمشاحنات السياسية .. علاوة على ذلك، كانت ليبيا مستقطبة في ذروة الخلاف الخليجي الداخلي والتوترات بين تركيا ومختلف العواصم العربية. الآن نشهد هذه تنتهي تدريجيا".


المصدر: وكالات